النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٣٥٧كتاب (المعتمد) لأبي الحسين البصري
أ. د. عبد الحميد عبد المنعم مدكور
1357
(1)
الخلط بين أصول الفقه والكلام، لكن التتبع لكلام أبي الحسين يوضح أن الرجل خالف رأيه وما تعهد به حين تحدث عن العقل ومكانه من الاستدلال.
وقد ذهب أبو الحسين - في هذه المسألة - إلى ما يقول به المعتزلة - ومن هو على منهجهم - من رأي في التحسين والتقبيح العقليين، وقد بذل جهده لإقامة الحجة على أن العقل يُحَسِّنُ ويُقبِّح، وذلك من كمال العقل، الذي يستطيع أن يكتشف ما للأشياء من صفات ذاتية كامنة فيها، بحيث تستحق وصفاً يتلاءم معها، فالقبيح يقبح لوجوه وأسباب معقولة متى ثبتت اقتضت قبحه، والحسن يحسن إذا ما انتفت هذه الوجوه كلها عنه، ثم كان فيه من المعاني ما يجعلنا نصفه بالحسن، ولذلك يحكم العقل بحسن الشيء؛ بناءً على ما فيه من منفعة، ويحكم بقبح الشيء، بناءً على ما فيه من مضرة، وهو يدلل على ذلك بأن العقلاء يلومون من امتنع من الفعل لمجرد تجويز الضرر من دون أمارة تدل على ذلك، ويعذرونه إذا كانت هناك أمارة، والناس لا يلومونه عند امتناعه - من دون سبب - عن الفعل لأنه خالف الشرع، في امتناعه من ذلك، بل ربما لا يخطر الشرع ببالهم، في ذلك الوقت؛ ولأن لومهم على ذلك ليس كلومهم من امتنع من أكل لحم الحيوان؛ ولأن البراهمة يلومونه على ذلك ولا يعرفون الشرع (2)، ثم إن ذلك يترتب عليه ـ من جهة أخرى - أن المكلف يلزمه الإخلال بالمنافع قبل الشرع). ويترتب على هذه النظرة للعقل أنه ـ كسلفه من المعتزلة - يتخذ العقل أصلاً من أصول الاستدلال، وأن له مَدْخلاً في التكليف الأخلاقي كالحكم بحسن الصدق والعدل والأمانة والوفاء بالوعد وإعانة الضعيف وإغاثة الملهوف، ونحو ذلك، وكالحكم بقبح أضدادها وما يماثلها من القبائح؛ لأن العقلاء لا يختلفون في الحكم على هذه الأمور بالحسن أو القبح، كما لا يختلفون في العلم بالمدركات والمعارف البدهية التي يدركها العقل. والحكم عندئذ يكون بحسب ما يقتضيه العقل (4).
(3)
ويقرر البصري أنه لا بُدَّ للأحكام الشرعية من طريق ودليل، ويتمثل الدليل في الكتاب والسُّنَّة المتواترة، والإجماع والقياس، فإذا لم يوجد في الحادثة أو الواقعة حكم يرجع إلى هذه الأصول فإن الأمر - عندئذ - (يوجب البقاء على حكم العقل» (5).
ثم إن العقل يتقدّم خطوة أكبر ليكون له مدخل في التكليف التشريعي. ويتضح هذا من قول أبي الحسين وأما التوصل إلى الأحكام الشرعية فهو أن المجتهد إذا أراد معرفة حكم الحادثة
(1)
مع ملاحظة أنه لم يكن الوحيد الذي فعل هذا؛ بل يشاركه في ذلك كثيرون، كما سبق القول، وكما ذكر الغزالي. (2) المعتمد،870/ 2، 871، وانظر 868/ 2، 869.
(3) المصدر السابق، 873/ 2 وقارن المغني للقاضي عبد الجبار التعديل والتجوير تحقيق د. أحمد فؤاد الأهواني، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، ط 1963/ 1، ج 6، قسم 1، ص 7، 59.
(4) انظر هنا: المغني، مرجع سابق، ج 6، قسم 1، ص 18. والمعتمد، 190/ 1.
(5) المعتمد، 602/ 2