النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٣٥٨1358
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الشرع
أدلة
فيجب أن ينظر: ما حكمها في العقل، ثم ينظر: هل يجوز أن يتغير حكم العقل فيها، وهل في ما يقتضي تقدم ذلك الحكم أم لا؟ فإن لم يجد ما ينقله عن حكم العقل قضى به). ومدار الحكم - في مثل هذا الأمر الذي لا نص فيه - هو ملاحظة ما في الأشياء من منفعة أو مضرة، وما يترتب على ذلك من حظر أو إباحة، وليس من المقبول - عندئذ ـ أن ينكص العقل على عقبه، أو أن يتراجع عن القيام بمهمته، أو أن يتوقف عن القيام بها وفي هذا يقول: «فأما من توقف فقال لا أدري: هل الأشياء على الحظر أو على الإباحة فقوله باطل … لأنه إما أن يقول: لو انفرد العقل لاستحق من أقدم على المنافع الذم فنجعلها محظورة، أو يقول: لا يستحق الذم فتجعلها مباحة، فإذا صح أن من الأشياء ما هو على الحظر)، ومنها ما هو على الإباحة كان ذلك أصلًا
(2)
(4)
في
الدلالة على إباحة المباح منها وحظر المحظور، إذا لم تنقلنا عنه الأدلة الشرعية). ويتكرر لدى البصري أن التحرز من المضار واجب في العقل، وكذلك الشأن في تحصيل المنافع، وهو ينتقل من هذه الفكرة إلى حقل التشريع مباشرة حين يقول: «وما وجب في العقل فهو من الدين» (5).
ولعله أحسَّ ما تتضمنه هذه النتيجة من افتئات على حق الشرع في التشريع والتكليف فحاول أن يزيد الأمر بياناً، وأن يمحو ما قد يتبادر إلى الذهن من استغراب أو استنكار، وذلك بإيضاح أن المصالح معتبرة في الشرعيات، وأن الله قد شرع الحلال والحرام وسائر ما أوجبه أو حظره كي تتحقق مصالح العباد، وأنه لا تفرقة بين قصد الشرع إلى المصالح وما يراعيه العقل من منافع ومضار.
وفي هذا يقول: «والمصالح - وإن كانت معتبرة في الشرعيات - فالمضار والمنافع هما المعتبران في العقليات والمعاملات؛ لأنا إنما ننحو بما نفعله نحو المنافع والخلاص من المضار، كما أننا ننحو بالشرائع تحصيل المصالح، ولأجلها وجبت» (6).
ولعله أراد مرّة أخرى، وفي مواطن مختلفة، أن يؤكد أن العقل يعمل في ما يمكن أن يسمى البراءة الأصلية أو منطقة المباح أو العفو التي لم تنزل فيها بذاتها نصوص تشريعية؛ ولذلك فإنَّ دخول العقل إلى التشريع - في هذه المنطقة - مشروط بألا يكون في المسألة التي تصدى العقل للحكم فيها
(1) المعتمد، 908/ 2 - 909، بتصرف يسير، وسيأتي ما يؤكد تضييق سلطة العقل باشتراط ألا يكون في المسألة حكم شرعي.
(2) لأن بها مضرة. (3) أي: على الدلالة العقلية. (4) المعتمد، 879/ 2 (5) المصدر السابق، 584/ 2. (6) المصدر السابق، 586/ 2.