النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٣٥٩كتاب (المعتمد) لأبي الحسين البصري
أ. د. عبد الحميد عبد المنعم مدكور
1359
نص تشريعي ناقل للحكم من الإباحة أو البراءة الأصلية إلى حكم آخر؛ فإن كان فيها حكم شرعي فليس للعقل أن يحكم فيها بشيء؛ لأن الحكم - عندئذ ـ من اختصاص الشرع. يقول: والعقل فإنما اقتضى الحكم ما لم ينقلنا عنه دليل شرعي. ويقول كذلك: «فإن وجد في الشرع ما يدل على نقله قضى بانتقاله؛ لأن العقول إنما دلت على تلك الأحكام بشرط ألا ينقلنا عنه عنها) دليل شرعي (2). ويقول - كذلك ـ في أوائل كتابه: إن طريق المجتهد ضربان أحدهما البقاء على حكم العقل، إذا لم ينقل عنه شرع، وذلك يقتضي ذكر الحظر والإباحة؛ ليعلم ما يجوز أن ينتقل بالشرع من حكم العقل، وما لا يجوز أن ينتقل (3) وهكذا (4).
وعلى ضوء هذه النصوص التي تتحدث عن دور العقل في إصدار الأحكام بناء على حسن الأشياء وقبحها، وما فيها من منافع ومضار، لم يكن غريباً أن يستعمل البصري تعبير التعبد العقلي، وأنه يُلْزِم صاحبه التصرف على نحو ما بناء على ملاحظة المنفعة أو المضرة فالإنسان يجب عليه الأكل إذا خاف التلف عند تركه، وهذا حكم يتفق مع الفطرة، وهو واجب بالعقل إذا لم يكن ثُمَّ شرع، وإن كان لنا أن نقول إن لدينا من النصوص الشرعية ما يوجب الحفاظ على النفس، كقوله تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [النساء: 29) ونحوها من الأدلة التي تحرم الإيذاء للنفس، منعاً للضرر؛ لأنه لا ضرر ولا ضرار. ولكنه - على كل حال - كان حريصاً على التنبيه إلى أن قوله هذا مشروط بألا يكون في المسألة أو شرع ناقل وإلا فالمآل إليه؛ لأن الشرع - كما يقول «يزيل حكم العقل» (6). وهو يشير إلى بعض المسائل التي قد يكون للعقل رأي فيها ولكن الشرع يمنع منها، ومنها: أن «نسخ الخبر المتواتر بأخبار الآحاد فجائز في العقل والشرع قد منع منه»).
حكم
وقد انتهى به المطاف إلى أن وصف الحكم العقلي بأنه حكم شرعي أيضاً؛ لأن الحكم إن كان عقلياً ولم تنقله الشريعة إلى حكم آخر فإنه يكون - عندئذ - شرعياً؛ لأن الشريعة قد ارتضته ولو لم ترتضه الشريعة لنقلته عما هو عليه
(8)
(1) المعتمد، 715/ 2 وقارن هنا المستصفى للغزالي، وبهامشه مسلم الثبوت لعبد العلي الأنصاري، 100/ 1. حيث يجعل الأصول أربعة، منها العقل الذي يجعله رابع الأدلة، ويرى أنه يدل على براءة الذمة من الواجبات، وأن النظر في الأحكام إما أن يكون في إثباتها أو في نفيها أما إثباتها فالعقل قاصر عن الدلالة عليه، وأما النفي فالعقل قد دل عليه إلى أن يرد الدليل السمعي
بالمعنى الناقل من النفي الأصلي، وانظر 217/ 1 - 219 من المستصفى.
(2) المعتمد، 909/ 2. وانظر: 879/ 2. (3) المصدر السابق، 11/ 1
(4) انظر: المصدر السابق، 164/ 1، 190، 376، 681/ 2، 685.
(5) المصدر السابق، 961/ 2.
(6) انظر: المصدر السابق، 399/ 1.
(7) المصدر السابق، 422/ 1. وانظر: 430.
(8) زيادات المعتمد، 993/ 2