النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٣٦٠1360
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
ويمكن الإشارة هنا إلى الملاحظات التالية:
أ - إن هذا الذي تحدّث به البصري في علاقة العقل بالتشريع أو ما سماه التعبد العقلي يعود ـ في مجمله ـ إلى رأي المعتزلة وبخاصة شيخه عبد الجبار الذي يقول: «الذي يذهب إليه مشايخنا الله - رحمهم في هذا الباب - أن كل فعل للمكلف فيه غرض من نفع أو غيره، وخرج ذلك الفعل من أن يجري مجرى الحقوق، ولم يكن إضراراً به ولا بغيره في عاجل ولا آجل ـ فيجب أن يدخل في باب الإباحة العقلية، وإنما يعدل عن ذلك لدلالة»، ويقول أيضاً: والأقرب في الأدلة السمعية أنها إنما تدل على أحكام غير متقررة في العقول، من دون الإباحة، وأن الإباحة جارية على طريق العقل»، وعبد الجبار هنا متابع - هو أيضاً - لما اتفق عليه المعتزلة منذ شيوخهم الأوائل، فللعقل عندهم مكان مهم يمكن وصفه بأنه يتدافع مع النص القرآني في الرتبة، وها هو الجاحظ يذكر قول القائلين إن «الشيء لا يحرم إلا من جهة كتاب أو إجماع أو حجة عقل أو من جهة القياس على أصل في كتاب الله ل أو إجماع» (3).
ب
-
ويمكن القول بأنَّ البصري حاول تخفيف آثار رأيه في ما تحدث به عن العقل، الذي تبدأ به سلسلة البحث عن الحكم الشرعي أي البدء بالنظر في ما ينتهي إليه العقل من حكم، ويتمثل ذلك في قوله بسلطة النص الشرعي في إبقاء حكم العقل أو نقله، وأنه إذا أبقاه أصبح دليل العقل دليلاً شرعياً، كما سبق القول، ولكن يبقى - مع ذلك - أن البون لا يزال شاسعاً بينه وبين الأشاعرة وأمثالهم حيث ينفرد النص الشرعي في القرآن والسُّنَّة بسلطة التشريع ثم يأتي - بعدهما في الدرجة - الإجماع ثم القياس، وهما مؤسسان على النص الشرعي، ومبنيان عليه، ولذلك لا يتقدمان على النص الشرعي قرآناً وسنة، وقد وضح علماء الأصول ذلك من قديم وها هو الشافعي في الرسالة يقول: «فليست تنزل بأحد من أهل الله دين نازلة إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدي فيها ويلحق بذلك ما سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس فيه نص حكم، وقد فرض الله طاعة رسوله لله والانتهاء إلى حكمه، فمن قبل عن الله قبل (4). حتى إذا ما وصلنا إلى الشاطبي (790 هـ) فسنجده يقول: «الأدلة الشرعية ضربان أحدهما ما يرجع إلى النقل المحض، والثاني ما يرجع إلى الرأي المحض … فأما الضرب الأول فالكتاب والسُّنَّة، وأما الثاني فالقياس والاستدلال»، ويلحق
رسول
الله
فبفرض
(1) المغني، الشرعيات، 145/ 17.
(2) المصدر السابق، 144/ 17.
في كتابه
(3) الحيوان، بتحقيق: الأستاذ عبد السلام هارون، تقديم: د. أحمد فؤاد باشا، طبع الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة الذخائر
رقم 69، 84/ 6، ويلاحظ أنه لا يذكر السنة ضمن الأصول.
(4) الرسالة، 20 - 22 وانظر ما قاله في رد الاستحسان، وقد سبقت الإشارة إليه.