النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٣٦١كتاب (المعتمد) لأبي الحسين البصري
أ. د. عبد الحميد عبد المنعم مدكور
1361
بالضرب الأول الإجماع على أي وجه قيل به)، ثم أوضح أن الأصول الثلاثة ترجع إلى الأصل الأول وهو كتاب الله تعالى الذي هو أصل الأصول والغاية التي تنتهـ إليها أنظار النظار، ومدارك أهل الاجتهاد وليس وراءه مرمى … » (2)، وأن الضرب الثاني لم يثبت بالعقل وإنما ثبت بالنص «إذ منه قامت أدلة صحة الاعتماد عليه، وإذا كان كذلك فالأول هو العمدة» (3). والقائلون بمثل ذلك ـ من القدامى والمحدثين - لا يقولون إن للعقل مدخلاً في التشريع بسبب التحسين والتقبيح لأن العقل لا يحسّن شيئاً ولا يقبحه، ولا يقتضي شيئاً ولا يوجبه، وأن هذه الأشياء كلها ترجع إلى الشرع، يختلف بداهة عما قال به المعتزلة - في التحسين والتقبيح، وما يترتب عليه من دور للعقل في التكليف.
(4)
جـ ـ وعلى ضوء ما سبق من النصوص يمكن النظر فيما ذكره بعض الباحثين من أن إمامي المعتزلة صاحبي العمد والمعتمد لم يتعرضا للعقل ولم يذكرا له أي مجال أو مكان بين الأدلة»، وكان ذلك مدخلاً للتعقيب والنقد لكلام الفخر الرازي الذي أشار فيه إلى مخالفة المعتزلة لأهل السُّنَّة في ذلك، وفي هذا يقول الرازي: «أما الأدلة العقلية فلا مجال لها عندنا في الأحكام؛ لما بَيَّنَّا أنها لا تثبت إلا بالشرع، وأما عند المعتزلة فلها مجال؛ لأن حكم العقل في المنافع الإباحة، وفي المضار الحظر (5). وقد عقب على هذا بقوله: فهو يصرح أن العقل له مجال عند المعتزلة، وله مكان في الأحكام، ولقد شاع هذا عن المعتزلة، وتناقلته الألسنة والأقلام، وأصبح جزءا من ثقافة المثقفين بالعلوم الإنسانية، وحقيقة مقررة، وأرجع ذلك إلى الإيجاز المخلّ لكلام المعتزلة، رافضاً هذا القول وما أشبهه من كلام المؤلفين اللاحقين كتاج الدين السبكي وآخرين. ولعل ما أثبتناه ـ في ما سبق ـ من النصوص ينهض شاهداً على أن المعتزلة على لسان أعلامهم كالجاحظ والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري - يصرحون بدور العقل تصريحاً لا مداراة فيه، وأن الأمر ليس مجرد شائعات، وأن الخلاف بين المعتزلة - في هذه القضية ـ وبين أهل السُّنَّة خلاف حقيقي، كما دلت على ذلك النصوص وشهادات العلماء من أمثال الرازي والسبكي
(1) الموافقات في أصول الشريعة لأبي إسحاق الشاطبي، نشره الشيخ عبد الله دراز، المكتبة التجارية الكبرى، 41/ 3. وقد أوضح الشاطبي أن الرأي ليس محضاً، لأنه لا يعتبر شرعاً إلا إذا استند إلى النقل، الموضع نفسه.
(2) الموافقات، 43/ 3.
(3) المصدر السابق، 42/ 3
(4) انظر: الملل والنحل بهامش الفصل 53/ 1، 56 وانظر رد الغزالي على المعتزلة في المستصفى 55 - 65. (5) المحصول للرازي، تحقيق د. طه جابر علواني، طبع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - القسم الأول، 223/ 1 - 225، بل انظر من قبله: المستصفى، 63/ 1 - 65.
(6) انظر: العقل عند الأصوليين للعالم الجليل الدكتور عبد العظيم الديب، طبع دار الوفاء للطباعة والنشر، ط 1995/ 1، ص 51 - 54. وانظر ص 55 - 60، حيث يقتبس من نصوص المعتمد ما يؤيد به الرأي الذي ذهب إليه، من دون التفات إلى نصوص كثيرة كتلك التي سبق إيرادها.