النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٣٦٢

1362

وغيرهم.

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

د-

ثم يتأكد هذا بمسلك المعتزلة في إثبات أصول الدين التي هي أصل التشريع والتكليف والأخلاق، وكلٌّ ما كلَّف الله تعالى به عباده، وقد قام منهج المعتزلة في إثباتها على الاعتماد على الدليل العقلي الذي هو عندهم أول مصادر الاستدلال عليها، وكان القاضي عبد الجبار شيخ البصري - من أهم الذين قرروا هذا المنهج على نحو صريح لا لبس فيه، فأول هذه المصادر ـ عنده وعند المعتزلة - دلالة العقل؛ لأن به يُمَيَّز بين الحسن والقبيح، ولأن به يعرف أن الكتاب [أي القرآن] حجة، وكذلك السنة والإجماع … ». ولأن الله تعالى لم يخاطب إلا أهل العقل … فهو الأصل في هذا الباب»، ثم يضيف إلى هذا أنه متى عرفنا بالعقل إلهاً منفرداً بالإلهية وعرفناه حكيماً يُعلم في كتابه أنه دلالة، ومتى عرفناه مرسلاً للرسول ومميزاً له - بالأعلام المعجزة ـ من الكذابين علمنا أن قول الرسول، حجة، وإذا قال صلى الله عليه وسلم: «لا تجتمع أمتي على خطأ، وعليكم بالجماعة» علمنا أن الإجماع حُجَّة». ويعني ذلك: أن الاستدلال على أصول العقائد - ومن باب أولى على الأحكام المتعلقة بأفعال المكلفين - لا يبدأ بالكتاب والسُّنَّة أو الإجماع، بل إنه يبدأ أولاً بالاستدلال على الله تعالى وحكمته، وأنه يفعل الصلاح والأصلح لعباده، ويلطف بهم، وأنه لا يفعل القبيح «لأنه عالم بقبح القبيح، ومستغن عنه عالم باستغنائه عنه، ومن كان هذا حاله لا يختار القبيح بوجه من الوجوه، بل إنه يفعل ما تقتضيه الحكمة والصواب والمصلحة وهذه الأصول إنما تثبت بالعقل أولاً، وفي هذا يقول عبد الجبار الدلالة أربعة حجة العقل والكتاب والسنة والإجماع»، وإنما تقدم العقل على هذه الثلاثة؛ لأنه هو الحجة، وما عداها فرع على معرفة الله تعالى بتوحيده وعدله، فلو استدللنا بشيء منها على الله - والحالُ هذه - كنا مستدلين بفرع الشيء على أصله وذلك لا يجوز» وإذاً، فالعقل هو الحجة وما سواه، فرع ولا يصح البدء بالفرع قبل الأصل؛ لأن أن يكون عليه الاستدلال بحسب منطق المعتزلة.

وجود

ذلك

يعد عكساً لما ينبغي وينهج البصري منهج شيخه عبد الجبار، منتقلاً مثله من مجال المعرفة إلى مجال التكليف، وفي مجال المعرفة يكون البدء بالعقل، فهو الذي يقيم الأدلة على توحيد الله وعدله، وهذا ـ عنده وعند شيوخه - سابق على الاستدلال بالقرآن والسُّنَّة؛ لأنه لا بُدَّ من إثبات أصلهما، الله، وهو توحيد وإثبات النبوة، ودلائل صدقها، وهذا إنما يكون - أولاً - بالعقل، ثم يأتي بعد ذلك الاستدلال بهما، واقتباس الحجج منهما، ويتضح هذا - بجلاء ـ من بعض نصوص أبي الحسين البصري، الذي يقول:

(1) كتاب الاعتزال وطبقات المعتزلة، مرجع سابق، ص 139. (2) شرح الأصول الخمسة، 120.

(3) المصدر السابق، ص 88 وانظر 86 - 89، والشارح - وهو تلميذه أحمد بن الحسين - يحكي هنا أقوال شيخه عبد الجبار وينص على ذلك، وانظر ـ كذلك - المعتمد، 600/ 2، وفيه يذكر أن المرجع في التوحيد إلى أدلة العقول، وليس طريقه الأخبار.