النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٣٦٣

كتاب (المعتمد) لأبي الحسين البصري

أ. د. عبد الحميد عبد المنعم مدكور

1363

اعلم أن الأشياء المعلومة بالدليل: إما أن يصح أن تعلم بالعقل فقط، وإما أن تعلم بالشرع فقط، وإما بالشرع وبالعقل - فأما المعلومة بالعقل فقط فكل ما كان في العقل دليل عليه، وكان العلم بصحة الشرع موقوفاً على العلم به كالمعرفة بالله وبصفاته، وأنه غنيّ لا يفعل القبيح»، وهو يعلل لهذا بقوله: (وإنما قلنا: إن العلم بصحة الشرع موقوف على العلم بذلك؛ لأنا إنما نعلم صحة الشرع، إذا علمنا صدق الأنبياء عليهم السلام، وإنما نعلم صدقهم بالمعجزات إذا علمنا أنه لا يجوز أن يظهرها الله على يد كذاب، وإنما يعلم ذلك إذا علمنا أن إظهارها عليهم قبيح، وأنه [أي الله تعالى] لا يفعل القبيح؛ لأنه عالم بقبح القبيح، عالم باستغنائه عنه والعلم بذلك فرع على المعرفة به، فيجب تقدم هذه المعارف للشرع، فلم يجز كون الشرع طريقاً إليها».

:-

ويقول - في موضع آخر -: «أما التوحيد فالمرجع فيه إلى أدلة العقول … ومن أراد أن يعرف التوحيد أمكنه ذلك بالاستدلال بأدلته العقلية، وليس طريقه الأخبار … وأما النبوة فطريقها المعجز والتحدي بالقرآن، وغيره من المعجزات (2).

وأما ما يصح أن يعرف بالشرع وبالعقل فهو كل ما كان في العقل دليل عليه، ولم تكن المعرفة بصحة الشرع موقوفة على المعرفة به، ويضرب لذلك بعض الأمثلة كالعلم بأن الله واحد لا ثاني له في حكمته، فهذا أمر يدركه العقل أو يقبله، ثم هو من وحي الشرع أيضاً، فإذا أخبر الرسول بذلك علمنا صدقه؛ لأن الله لا يرسل كذاباً، وهو ما تم الاستدلال عليه في النوع الأول، ثم يضيف إلى ذلك أمثلة أخرى مستمدة من حقل التشريع والتكليف، ومنها وجوب رد الوديعة، والانتفاع بما لا مضرة فيه على أحد (3).

وأما النوع الثالث وهو ما يعرف بالشرع وحده فهو ما في السمع أي الشرع دليل عليه من دون العقل، وذلك كالمصالح والمفاسد التي تعرف عن طريق الشرع، وما له تعلق بهما ككون الصلاة واجبة، وكون شرب الخمر محرماً. وهي أمور ينفرد الشرع ببيان أحكامها، من دون العقل؛ إذ العقل لا يدرك نوع الحكم المتعلّق بكل منها، كما لا يدرك ما يتصل بها من حيث شروطها وكيفيتها ومقاديرها، والشرع - إذاً ـ هو صاحب الاختصاص فيها، والشرع - كذلك ـ هو الذي يحدد هذه المصالح والمفاسد، وطُرُق الحكم عليها، بما فيه من أدلة وأمارات وعلل وشروط (4).

(1) المعتمد 886/ 2 - 887. وانظر: 371/ 1 - 372، 931/ 2.

(2) المصدر السابق، 600/ 2 (3) المصدر السابق، 887/ 2

(4) المصدر السابق، 888/ 2، 889، ويلاحظ - هنا - أننا نجد مثل هذا التقسيم - من بعد - لدى الجويني الذي يقول: إن أصول العقائد تنقسم إلى ما يدرك عقلاً، وإلى ما يدرك سمعاً وإلى ما يجوز إدراكه سمعاً وعقلاً، وواضح أنه يحصر هذا التقسيم في نطاق العقائد، ولا يجعله مشتركاً بين العقائد والتشريع كما هو الشأن عند أبي الحسين البصري. انظر: الإرشاد إلى قواطع الأدلة أصول الاعتقاد، تحقيق: د. محمد يوسف موسى، د. على عبد المنعم، نشر مكتبة الخانجي، ط 1950/ 1، ص 358 - 359.