النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٣٦٤

1364

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

وتدلّنا هذه النصوص كلها على مكانة العقل ودوره، وتقدمه في مجال الاستدلال على أصول العقائد، على الشرع نفسه، ولهذا نجده عند حديثه عن تخصيص العموم بالأدلة يقول: «اعلم أن الأدلة المنفصلة هي أدلة العقل، وكتاب الله سبحانه وسُنَّة رسوله صلى الله عليه والإجماع. فالعقل يُخص به عموم الكتاب والسُّنَّة .... وهو - وإن كان يقول بالإجماع أصلا من أصول التشريع فإنه يذكر أن الإجماع لا يصح الاحتجاج به في مسائل «كالإجماع على أن الله تعالى حكيم عادل، وأن نبي؛ لأنه إنما يمكن أن تعرف صحة الإجماع بعد أن يعرف أن الله تعالى أو رسوله قد شهدا بأن الإجماع حق وأنهما لا يشهدان بشيء إلا وهو على ما شهدا به، ولكن ذلك لا يعرف إلا بعد أن يعرف أن الله تعالى حكيم، وأنه لا يفعل القبيح، وأن القرآن كتابه، وأن ما فيه من الآيات الدالة على الإجماع هو من قبل الله تعالى فإذا كانت المعرفة بصحة الإجماع لا يمكن أن تتقدم على المعرفة بالله وحكمته وصدق رسوله لم يصح الاستدلال به على ذلك» (2).

محمداً

كذلك يتم الاحتكام إلى العقل عند تعارض الأخبار، بحيث يكون أحدها يتضمن حكماً بالحظر، على حين يتضمن الآخر حكماً بالإباحة، ولم يمكن ترجيح أحدهما على الآخر بسبب من أسباب لا الترجيح، بتاريخ، ولا بإجماع ولا ببقاء الحكم، وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا محل للقول بأحد الحكمين لعدم الترجيح، فلم يبق إلا اطّراحهما معاً، والبحث عن غيرهما من الأدلة، فإذا لم يوجد دليل شرعي مرجّح فليس أمامنا إلا اللجوء إلى حكم العقل (3).

-

وهكذا تتواتر الأدلة والشواهد على ما للعقل - عنده - من موقع في المعرفة بأصول العقائد، أصل التشريع، ثم ما له ـ كذلك التي هي من مكان في الأحكام التشريعية بالبقاء على حكم الأصل أو البراءة الأصلية ما لم ينقل عنها شرع، ثم ما له من دور في التخصيص والترجيح، وهذا كله أثر من آثار مزج الكلام بأصول الفقه، وهُوَ ما عابه على شيخه القاضي عبد الجبار لكن غلبته الصنعة الكلامية كما غلبت غيره من الكلاميين الأصوليين على نحو ما ذكر الإمام الغزالي.

رابعاً: النزعة الاستقلالية لم يكن كتاب المعتمد مجرد كتاب يعرض فيه صاحبه آراء سابقيه من العلماء، مع أنه ـ في هذا الجانب - يعد مصدراً أساسياً للتعرف على آرائهم، لما حواه من تتبع يكاد يصل إلى حد الاستقصاء، وساعده على ذلك طول النفس في ذكر الأقوال، واستيفاء الأدلة، والعناية بذكر آراء المخالفين، والتطوع - في بعض الأحيان - بتقويتها، حتى ليبدو للقارئ المتعجل أنه مقتنع بها أو

(1) المعتمد، 272/ 1. وهو يرد على من منعوا تخصيص الكتاب بأدلة العقل، 272/ 1 - 273.

(2) المصدر السابق، 493/ 2

(3) انظر: المصدر السابق، 684/ 2 - 685.