النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٣٦٥كتاب (المعتمد) لأبي الحسين البصري
أ. د. د. عبد الحميد عبد المنعم مدكور
1365
منحاز إليها، لكن أبا الحسين لا يلبث أن يكرّ على هذه الأقوال التي يخالفها بالتعقيب والرد. والأمثلة - على اتباعه لهذا المنهج في العرض والمناقشة والرد - كثيرة. ويمكن الإشارة إلى شيء من هذا في ما كتبه في الباب الذي عنونه بقوله: باب في أن لفظة افعل تقتضي الوجوب (1)؛ ثم الباب الذي جاء بعنوان: باب في أن الأمر بالأشياء على طريق التخيير هل يفيد وجوب جميعها على البدل أم يفيد وجوب واحدٍ منها لا بعينه؟ (2)، والباب الذي عنونه بقوله: باب في الأمر المطلق، هل يقتضي الفعل مرة واحدة أو يقتضي التكرار؟ (3).
-
فإذا أتحنا الفرصة لشيء من التفصيل والإيضاح فإننا سنشير إلى المسألة الأولى - هنا وهي: علاقة صيغة افعل بالوجوب، وهو يبدأ الحديث عنها بأن الناس اختلفوا في ذلك، فذهب الفقهاء وجماعة من المتكلمين وبعض شيوخ المعتزلة في أحد الأقوال إلى أنهم يرون أن صيغة افعل حقيقة في الوجوب، لكن قوماً قالوا: إنها حقيقة في الندب، وقال آخرون: إنها حقيقة في الإباحة، وقال أبو هاشم الجبائي: إنها تقتضي الإرادة، فإذا قال القائل لغيره: افعل أفاد ذلك أنه يريد منه الفعل، وينحاز أبو الحسين إلى الرأي الأول القائل بأن الأمر للوجوب، مؤيداً اختياره بأدلة كثيرة جداً، بعضها عقلي، وبعضها لغوي، وبعضها من القرآن والسُّنَّة، وبعضها من الإجماع، وبعضها يعود إلى الأخذ بالأحوط، وقد ذكر من هذه الأدلة أحد عشر دليلاً، قبل أن ينتقل إلى أدلة القرآن والسُّنَّة التي تدل على أن أوامر الله سبحانه وأوامر نبيه (5) على الوجوب. وقد استحضر - لتأكيد هذا المعنى - عدداً كبيراً من الآيات منها قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]، ثم علّق عليها قائلاً «فَحذَّر من مخالفة أمر نبيه صلى الله عليه وسلم وتوعد عليه. ومخالفة أمره هو الإخلال بما أمر به، فوجب كون الإخلال بما أمر به محظوراً، وهذا هو وجوب فعل ما أمر به. فإذا ثبت ذلك في أوامر النبي - صلى الله عليه - وجب مثله في أوامر الله سبحانه»).
ومن الآيات قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 136، وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا سَلِيما﴾ [النساء: 65]، إلى آيات كثيرة أخرى، ثم يضيف إلى الآيات عدداً آخر من الأحاديث التي يشرح دلالاتها، ويستخرج
(1) انظر: المعتمد، 57/ 1 - 82. (2) المصدر السابق، 84/ 1 - 99. (3) المصدر السابق، 108/ 1 - 114. (4) المصدر السابق، 62/ 1 - 68.
(5) جرت عادة أبي الحسين البصري في صيغة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: «صلى الله عليه».
(6) المصدر السابق، 68/ 1.