النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬٣٦٩

كتاب (المعتمد) لأبي الحسين البصري

أ. د. عبد الحميد عبد المنعم مدكور

1369

الفقه عصور

خامساً: وضوح الطابع الخلقي لديه لعلم الفقه صلة وثيقة بالأخلاق، وتظهر هذه الصلة لدى أئمة الفقهاء منذ الأولى، فقد عرَّف الإمام أبو حنيفة الفقه بأنه «معرفة النفس ما لها وما عليها)، وعلى نهجه جرى بعض أتباعه حين لم يقصروا علم الفقه على المعرفة بالأحكام الشرعية العملية عن أدلتها التفصيلية، بل جعلوه أوسع نطاقاً، ومن هؤلاء صاحب كتاب (فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت)، الذي يذكر أن قضر علم الفقه على المسائل العملية المتعلّقة بالجوارح أمر محدث لم يكن «في عصر الصحابة والتابعين … فالأليق أن يكون الفقه عاماً لأعمال الجوارح والقلب» (3).

ولكن الفقه لم يخل - على الرغم من غلبة الاهتمام بالأحكام العملية عليه ـ من اهتمام بالأخلاق، حيث إن صناعة الفقه كما يقول الفيلسوف الفقيه ابن رشد (595 هـ) «تقتضي بالذات الفضيلة العملية)، وكان هذا الاهتمام واضحاً في بعض مباحث علم الفقه كمبحث «الإكراه» الذي قد يلغي المسؤولية الشرعية والخلقية عمن وقع عليه الإكراه إلغاء تاماً أو جزئياً بحسب درجة هذا الإكراه، ويظهر ذلك كذلك ـ في اعتبار القصد والنية في تكييف الفعل، وما يترتب عليه من سؤولية، ولذلك جرى التفريق - مثلًا - بين القتل العمد وشبه العمد والقتل الخطأ، تفريق قائم على ملاحظة القصد والنية ولهذه الفروع صلة وثيقة بالقاعدة الفقهية التي تقول إن «الأمور بمقاصدها»، والأصل فيها هو قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» (5).

جزاء ومسـ

-

(6)

وهو

وهو حديث يدخل في ثلاثين أو سبعين باباً من أبواب العلم، وبعضها ذو طابع أخلاقي؛ مردُّه إلى النية التي تمثل العنصر الجوهري في الأخلاقية بأسرها، والنية هي التي تفرق العبادات عن العادات والفروض عن النوافل، وتدخل في سائر القُرَب، ومنها الجهاد ونشر العلم والحكم بين الناس وإقامة الحدود، وما يتعاطاه الحكام والولاة، وتحمّل الشهادات

(1) الكليات لأبي البقاء الكفوي، تحقيق: د. عدنان درويش ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1993/ 2، (2) انظر: المصدر السابق، ص 690.

ص

691 - 690

(3) فواتح الرحموت لعبد العلي الأنصاري بشرح مسلم الثبوت، لمحب الله بن عبد الشكور، بهامش المستصفى للغزالي، 10/ 1. (4) فضل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، تحقيق: د. محمد عمارة، طبع دار المعارف، د. ت، 30/ 2. (5) قال السيوطي في تخريجه: وهذا حديث صحيح مشهور أخرجه الأئمة الستة وغيرهم من حديث عمر بن الخطاب وروى بعض رواياته عن على بن أبي طالب وأنس الا. انظر: الأشباه والنظائر لجلال الدين السيوطي، دار الكتب العلمية،

بيروت، ط 1979/ 1، ص 8.

(6) المصدر السابق ص 9.

(7) انظر: المشكلة الخلقية د. زكريا إبراهيم، مكتبة مصر، ط 1969/ 1، ص 186، وكذا ص 190 191، وليس غريباً أن يتضمن حديثهم عن هذه القاعدة كلاماً عن الإخلاص والخشوع والخوف والرجاء، وبطلان العبادة إذا أراد بها غيرها أو إذا تسلل الرياء إليها، أو وقع منه ما يدل على الاستخفاف بها. انظر: الأشباه والنظائر لزين العابدين بن نجيم، تحقيق: عبد الكريم الفضيلي، المكتبة العصرية، ط 1998/ 1، ص 39 - 42، 53 - 56