النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٬٣٧١كتاب (المعتمد) لأبي الحسين البصري
أ. د. عبد الحميد عبد المنعم مدكور
|
1371
أن من رأيناه يعامل غيره بعمل واحد جميل لا يوصف بأنه حسن العشرة، وإنما يوصف بذلك إذا عرفنا أن ذلك من عادته، وأنه يكرر هذا الفعل … )، ويعني ذلك أن للعادة والتكرار أثراً مهماً في تثبيت الخلق وغرسه في النفس، وصدوره عنها بسهولة ويسر، ومن دون تردد أو توقف في فعله، وهذا ما نبه عليه بعض فلاسفة الأخلاق من قديم، وها هو أرسطو يقول: «فإن الملكات لا تأتي إلا من التكرار الكثير للأفعال عينها»، ويقول أيضاً: (وأما الفضيلة فإنها تتولد ـ على الأخص - من العادة». وقد أوضح أرسطو أن الفضيلة شرط من شروط تحقيق السعادة، وأن هذه السعادة لا تتحقق إذا كانت الفضيلة شيئاً عابراً أو مؤقتاً أو نتيجة للصدفة، بل ينبغي أن تكون سلوكاً دائماً وخلقاً مستقراً. ويشبه الأمر هنا ما يحدث في الطبيعة، فوجود طائر واحد لا يدل على قدوم فصل الربيع، واعتدال الجو في يوم واحد ـ أيضاً ـ لا يدل على قدومه، وإنما يدل على ذلك كثرة الطيور واعتدال الجو في أيام كثيرة متعاقبة.
-
وفي سياق حديثه عن فساد الفعل لمعنى في العقد، أو لمعنى في العاقد، أو لمعنى في المعقود عليه أو لحق الغير أورد أبو الحسين ما جرى من خلاف حول صحة الصلاة في الدار المغصوبة وقد ذهب إلى صحة هذه الصلاة كما يقول - جلُّ الفقهاء وأبو إسحاق النظام من المعتزلة، وكان معتمد هؤلاء أن شروط صحة الصلاة من طهارة وأفعال قد تحققت فلا يبطلها - عندئذ ـ أو ينفي كونها مجزئة أن تكون في دار مغصوبة؛ لأن الغصب لا علاقة له بأركان الصلاة أو شروطها، ولذلك لا يؤثر في صحتها واجزائها. وقد لاحظ هؤلاء تحقق شروط الصلاة من الناحية الشكلية، لكنهم لم يلاحظوا جوهر الصلاة وحقيقتها ولا ما ينبغي أن يترتب عليها، ونسوا أن الله تعالى يقول عن الصلاة وإنَّ الصَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت: 45]، ثم إنهم نسوا أن هذا الذي يصلي في دار مغصوبة قد أهدر حق صاحبها فيها، وأنه لا يصح لأحد أن يتصرف في داره - ولو بالصلاة - إلا بإذنه، وكلا الأمرين مخالف لهدي الشريعة ولهدي الأخلاق؛ ولهذا وجدنا أبا الحسين ينتصر للرأي الآخر الذي يقول به عدد من أئمة المعتزلة، وأهل الظاهر والزيدية وهو أن الصلاة في الدار المغصوبة ليست بمجزئة عن صاحبها؛ وذلك لأسباب عديدة منها أن المسلمين أجمعوا على أن الصلاة من حقها أن تكون طاعة، والصلاة في الدار المغصوبة ليست طاعة؛ بل هي معصية، ومنها أن الصلاة بأفعالها من القيام والركوع والسجود والجلوس تصرُّفٌ في الدار المغصوبة وشغل لأماكنها وأهويتها من دون إذن صاحبها، ومنع له لو حضر - من التصرف فيها، فكأن هذا الغاصب وَضَع فيها متاعاً بغير إذنه وهذا قبيح، ومنها أن الصلاة ـ التي هي واجبة ـ لا أداؤها
(1) المعتمد 1081، وللنص بقية في 109/ 1.
-
يصح
(2) الأخلاق إلى نيقوماخس، ترجمه عن اللغة الفرنسية الأستاذ أحمد لطفى السيد، وطبع،1924، كما توجد له ترجمة عربية قديمة قام بها إسحاق بن حنين، وحققها د. عبد الرحمن بدوي ط 1979/ 1، والصفحات - هنا - تشير إلى ترجمة الأستاذ أحمد لطفي السيد، 225/ 1، 228. (3) انظر: المصدر السابق، 195/ 1.