النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٣٩نظرية المساواة في الفقه الإسلامي
د. أحمد الخمليشي
139
وليس هذا قاصراً على المجتمعات العربية والإسلامية، بل هو سنة الله الحاكمة للإنسانية عامة.
فالغرب عندما انتقل من الحكم الاستبدادي والإقطاعي إلى ما سماه النظام الديمقراطي الذي من عناصره الجوهرية المساواة، قصر هذه المساواة في تدبير الشأن العام على الأغنياء والمتوفرين على مستوى ثقافي معين، وبرر ذلك بأن الأغنياء هم الذين يدفعون الضرائب، ومن يدفع له حق التقرير والرقابة، فلا يستوي معه الفقير الذي لا يسهم في الأداء.
كما أن النظام البرلماني أنشئ للسهر على حسن تطبيق الدستور، وهو ما يفرض في المنتخب القدرة على فهم بنوده وتقييم تطبيقها، الأمر الذي يتعذر على الأمّي ومن في حكمه من العاجزين عن فهم الدستور، وإدراك الغايات التي وضعت لها مواده.
وفي فرنسا مثلاً عندما انتصرت ثورتها عام 1789 كان شعارها الحرية والمساواة والإخاء، وحاولت إعطاء مفهوم جديد للمساواة بنص دستورها الصادر عام 1793 على إلغاء شرطي: الغني، والمستوى الثقافي؛ لممارسة حقي التصويت والترشّح، وإن حالت ثقافة المجتمع وأعرافه دون تطبيقه، إلى أن صدر الدستور الثاني عام 1848 (1). . مع. ع قصر ذلك على الرجل من دون المرأة التي لم يعترف بمساواتها للرجل في ممارسة الحق الانتخابي إلا بعد حوالى قرن من الزمن وبالضبط في عام 1944، ولم تتول القضاء إلا في سنة 1946.
وبعد تساوي جميع الرجال المواطنين في حق الانتخاب، ثم كل النساء المواطنات امتدت المساواة في حق الانتخاب إلى الأجانب المتوفرين على الإقامة القانونية، كما ألغيت كل الفوارق التي كانت بين المرأة والرجل إزاء الأسرة إنشاء وتدبيراً وإنهاء، وفي تولي الوظائف العامة بكل مستوياتها.
هذا التطور المستمر الذي يخضع له تفسير مصطلح المساواة في التطبيق ينجزه المجتمع عن طريق مؤسسات الدولة التي تمثله وفق إجراءات متوافق عليها ويخضع لها الجميع. وإذا رجعنا إلى الفقه، نلاحظ: عشرات الآيات والأحاديث التي ترسخ مبدأ المساواة وتنبذ التفاضل في علاقات التعايش بسبب الجنس أو العرق أو اللون، حتى المخالف في العقيدة، ما لم يبدأ هو بالعدوان.
(1) تعطيل تطبيق المساواة وفق ما نص عليه دستور 1793، يؤكد مدى تأثير ثقافة المجتمع وتقاليده على تطبيق المساواة، وعلى تطبيق النصوص المكتوبة بصورة عامة أكانت قانوناً أو فقهاً أو غيرهما والتأثير يتم بتعطيل التطبيق مباشرة أو بالتعسف في التفسير والنصوص التطبيقية. فالمشرع الفرنسي في القانون المدني الصادر عام 1804 تناسى مبدأ المساواة الوارد في إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي أصدرته الثورة فحرم المرأة المتزوجة من الأهلية المدنية حيث قرر 215 - 217 من ذلك القانون منعها من الترافع أمام القضاء ومن ممارسة أية مهنة، ومن إبرام عقد تفويت أو رهن، ومن تملك مال بعوض أو من دونه إلا بحضور زوجها أو بحصولها مسبقاً على الإذن لها بذلك.
م.
مثلاً
في