النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٤٠=
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
140
متى
—
عند تدوين الفقه مبدأ المساواة في حدود عدم الإخلال بالعدل، وعدم تجاوز النصوص روعي التي ثبتت لمصدر الأحكام الفقهية، وبالتفسير الذي ترجح لديه بملابسات الواقع الذي
يعيش فيه.
الفقه أنتج في مرحلة كانت خلالها حضارة الإنسان وثقافته تؤمنان بطبقتي الأحرار والعبيد، وبتفوق الرجل ودناءة المرأة، وبأن الحكم السياسي قوة وغلبة وليس تكليفاً ومحاسبة وتداولاً. وهذه التصورات تنتج بالتأكيد مساواة ملائمة لها، فإذا تغيرت، ظهرت حتماً معايير أخرى للمساواة بين الأفراد وبين الجنسين، وفي الحقوق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية عموماً.
نظرياً الأحكام الاجتهادية الفقهية المرتبطة بالمساواة - مثل غيرها - قابلة للتعديل والتغيير أصبحت - بسبب تغير الواقع - مخلّة بتحقيق الهدف الذي شرعت من أجله، هذا ما تؤكده مبادئ دوران الحكم مع علته، ووجوب مراعاة المآل في الأحكام، وحيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله … ويؤكده كذلك الاتجاه الذي يرى أن مصالح الدنيا تدرك بالعقل.
(1) ما قيل في الموضوع لا حصر له قديماً وحديثاً شرقاً وغرباً، واكتفي بمثلين من الحضارة اليونانية، ومن مساهم بارز في الفكر الإسلامي الذي لقب بفخر الدين، وبالإمام، وبشيخ الإسلام وهو الفخر الرازي. قال فيثاغوراس: هناك مبدأ خير انبثق عنه النظام والخير والرجل، ومبدأ شر خلق الفوضى، والظلمة، والمرأة». أما الفخر الرازي فقال في تفسير الآية 21 من سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. «قوله (خَلَقَ لَكُم) دليل على أن النساء خلقن كخلق الدواب والنبات وغير ذلك من المنافع، كما قال تعالى: خَلَقَ لَكُم مَا فِي الْأَرْضِ) وهو يقتضي ألا تكون مخلوقة للعبادة والتكليف فنقول: خلق النساء من النعم
علينا، وخلقهن لنا، وتكليفهن لإتمام النعمة علينا لا لتوجيه التكليف نحوهن مثل توجيهه إلينا، وذلك من حيث النقل، والحكم والمعنى. أما النقل فهذا وغيره، وأما الحكم فلأن المرأة لم تكلف بتكاليف كثيرة كما كلف الرجل بها، واما المعنى فلأن المرأة ضعيفة الخلق سخيفة، فشابهت الصبي، ولكن الصبي لم يكلّف، فكان يناسب ألا تؤهل المرأة للتكليف، لكن النعمة علينا ما كانت تتم إلا بتكليفهن لتخاف كل واحدة منهن العذاب فتنقاد للزوج وتمتنع عن المحرم، ولولا ذلك لظهر الفساد». التفسير الكبير ومفاتيح الغيب، 111/ 25
(2) هذا ما كان مؤكداً في جميع الحضارات والإمبراطوريات السابقة على الإسلام في كل الدائرة الواسعة المحيطة بمهبط الوحي التي دخلت شعوبها في الإسلام من دون أن تتخلى عن شيء من ثقافتها حول سياسة الحكم وعلاقة «الحاكم» بـ «الرعية». وقد لعدة أحاديث، وفي مقدمتها الحديث الذي ينهى عن خلع اليد من طاعة الحاكم ولو جلد الظهر وأخذ المال. هذه إذاً من الملابسات المرافقة لتدوين الفقه، والتي كان لها تأثيرها على مفهوم المساواة وصياغة أحكامها.
روج
(3) وفي ذلك يقول ابن عبد السلام في قواعد الأحكام (8/ 1): (وأما مصالح الدنيا وأسبابها ومفاسدها فمعروفة بالضرورات والتجارب والعادات المعتبرات، فإن خفي شيء من ذلك طلب أدلته، ومن أراد أن يعرف المتناسبات والمصالح والمفاسد راجحهما ومرجوحهما فليعرض ذلك على عقله بتقدير ان الشرع لم يرد به ثم يبني عليه الأحكام، فلا يكاد حكم منها يخرج عن ذلك إلا ما تعبد الله به عباده ولم يقفهم على مصلحته أو مفسدته، وبذلك تعرف حسن الأفعال وقبحها». وعلى النقيض من ذلك يقول الشاطبي: «إن كون المصلحة مصلحة تقصد بالحكم والمفسدة مفسدة كذلك مما يختص بالشارع لا مجال للعقل فيه بناء على نفي التحسين والتقبيح، فإذا كان الشارع قد شرع الحكم لمصلحة ما، فهو الواضع لها مصلحة وإلا فكان يمكن عقلاً ألا
قاعدة
تكون كذلك، إذ الأشياء كلها بالنسبة إلى وضعها الأول متساوية لا قضاء فيها للعقل بحسن ولا قبح … فالمصالح من حيث هي