النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٤٤144
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
ويقول في تفسير التحرير والتنوير شرحاً لآية: {وَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ [البقرة: 228]: إن المماثلة في الحقوق والالتزامات تؤخذ من تفاصيل أحكام الشريعة، ومرجعها إلى نفي الإضرار وإلى حفظ مقاصد الشريعة من الأمة. وقد أومأ إليها قوله تعالى: بالمعروف؛ أي لهن حق متلبسا بالمعروف غير المنكر، من مقتضى الفطرة، والآداب، والمصالح، ونفي الإضرار ومتابعة الشرع، وكلها مجال أنظار المجتهدين … والعرب تطلق المعروف على ما قابل المنكر، أي وللنساء من الحقوق مثل الذي عليهن ملابسا ذلك دائماً للوجه غير المنكر شرعاً وعقلاً وتحت هذا تفاصيل كثيرة تؤخذ من الشريعة، وهي مجال لأنظار المجتهدين في مختلف العصور والأقطار. فقول من يرى أن البنت البكر يجبرها أبوها على النكاح قد سلبها حق المماثلة للابن، فدخل ذلك تحت الدرجة، وقول من منع جبرها وقال: لا تزوج إلا برضاها، قد أثبت لها حق المماثلة للذكر، وقول من منع المرأة من التبرع بما زاد على ثلثها إلا بإذن زوجها، قد سلبها حق المماثلة للرجل، وقول من جعلها كالرجل في تبرعها بمالها قد أثبت لها حق المماثلة للرجل، وقول من جعل للمرأة حق الخيار في فراق زوجها إذا كانت به عاهة، قد جعل لها حق المماثلة، وقول من لم يجعل لها ذلك قد سلبها هذا الحق من حقوق الصنفين وما اختلفوا فيه من تسوية بين الرجل والمرأة، أو من تفرقة، كل ذلك منظور فيه إلى تحقيق قوله تعالى: {بِالْمَعْرُوفِ ....
ثم أضاف الشيخ ابن عاشور: أنه «يؤخذ من الآية حكم الرجال غير الأزواج بلحن الخطاب؛ لمساواتهم للأزواج في صفة الرجولة التي كانت هي العلة في ابتزازهم حقوق النساء في الجاهلية، فلما أسست الآية حكم المساواة والتفضيل بين الرجال والنساء الأزواج إبطالاً لعمل الجاهلية أخذنا منها حكم ذلك بالنسبة للرجال غير الأزواج على النساء كالجهاد، وذلك مما اقتضته القوة الجسدية، وكبعض الولايات المختلف في صحة إسنادها إلى المرأة، والتفضيل في باب العدالة وولاية النكاح والرعاية، وذلك مما اقتضته القوة الفكرية، وضعفها في المرأة وسرعة تأثرها ....
ونموذج آخر من الكتابات لا يخص المساواة وحدها بعدم المساس بما قاله السابقون بشأنها، وإنما يعمم ذلك في كل أنظمة المجتمع من ذلك قول عبد القادر عودة: «القانون من صنع البشر، أما الشريعة فمن عند الله، وكلا الشريعة والقانون يتمثل فيه بجلاء صفات صانعه. فالقانون من
(1) 399/ 2 - 402. أطلنا النقل عن الشيخ ابن عاشور؛ لأنه نموذج لغالبية من كتبوا في الموضوع، وهو تفصيل مفهوم المساواة على مقاس ما قاله السابقون مع إغفال الجواب عن أسئلة بدهية منها: إذا كان المعروف هو مقتضى الفطرة، والآداب، والمصالح، ونفي الإضرار؛ وأن العرب تطلقه على ما قابل المنكر، فما هو المبرر لقصر تحديده على المجتهدين أو الفقهاء؟ وأكثر من ذلك كيف يكون الشيء وضده فطرة، ومصلحة، ومعروفاً، كما في أمثلة الإجبار على الزواج وتبرع الزوج وكل الحالات الخلافية وما أكثرها؟!.