النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٤٥

نظرية المساواة في الفقه الإسلامي

د. أحمد الخمليشي

145

صنع البشر، ويتمثل فيه نقص البشر وعجزهم وضعفهم وقلة حيلتهم، ومن ثم كان القانون عرضة للتغيير والتبديل، أو ما نسميه التطور كما تطورت الجماعة إلى درجة لم تكن متوقعة، أو وجدت حالات لم تكن منتظرة … أما الشريعة فصانعها هو الله، وتتمثل فيها قدرة الخالق وكماله وعظمته وإحاطته بما كان وما هو كائن ومن ثم صاغها العليم الخبير بحيث تحيط بكل شيء في الحال والاستقبال حيث أحاط علمه بكل شيء، وأمر جل شأنه ألا تغير ولا تبدل، حيث قال: ﴿لَا نَبدِيلَ لِكَلِمَتِ اللهِ﴾ [يونس: 64]؛ لأنها ليست في حاجة للتغيير والتبديل مهما تغيرت الأوطان والأزمان، وتطور الإنسان» (1).

مع

والخلاصة التي يمكن الوصول إليها من النماذج التي أشرنا إليها هي احتفاظ الفقه بمفهوم المساواة وفق ما صيغت به في بدايات التدوين الفقهي ونشأة. مذاهبه وهو ما يجعلها متناقضة الواقع المعيش على الأقل في غالب الدول الإسلامية بالنسبة للانتخاب والترشح، وتقلد الوظائف العامة وممارسة المرأة للقضاء وقبول شهادتها وغير ذلك كثير … إضافة إلى ما يعيشه فعلاً المخالفون في العقيدة الدينية.

عدم

الانسجام هذا بين الآراء المعبر عنها في الفقه وبين الواقع، يتعذّر معه اعتبار تلك الآراء

مشكلة لنظرية المساواة في الإسلام.

ثانياً: التقرير الفردي لمعنى المساواة

السبب الثاني لصعوبة استخلاص نظرية عامة للمساواة من الفقه يتجلى في ما يتميز به هذا الفقه من التقرير الفردي لأحكامه، الأمر الذي يترتب عليه حتماً التعارض في كثير من الأحكام الخاصة بالمساواة، مثل ما يسمح بممارسته لغير المسلمين من الحرف والوظائف العامة، وتطبيق القصاص، وشهادة، المرأة، وتولّيها وظيفة القضاء … خصوصاً أن هذا الاختلاف لا يؤسس على مبادئ نظرية عامة، وإنما يتم ذلك أحياناً باقتناع يصعب تعليله.

من ذلك: قبول المرأة الواحدة في رواية الحديث دون الشهادة، وعند التعدد قبول شهادتها في الأموال دون غيرها.

فالإمام الشافعي مثلاً قال في الرسالة: أقبل في الحديث الواحد والمرأة، ولا أقبل واحداً منهما وحده في الشهادة» (2).

(1) كتابه التشريع الجنائي الإسلامي، 17/ 1 وهو يقول هذا في مجال التشريع الجنائي الذي قد لا تتجاوز الجرائم المنصوص عليها منه أصابع اليد الواحدة، والفقه نفسه يوكل إلى اجتهاد الإمام التعزير في كل ما عدا ذلك.

(2) الرسالة، ص 373