النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٤٦146
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
والحال أن الشهادة تؤدى أمام القاضي وبحضور المشهود عليه، وهو ما يتأتى معه مراجعة الشاهد ومواجهته بالأسئلة وبالوقائع والقرائن المتوفرة في الدعوى كل ذلك يساعد كثيرا على معرفة مدى ما في الشهادة من صدق أو تلفيق، بينما لا شيء من هذا في رواية الحديث.
ومن ناحية ثانية: الشهادة يقتصر أثرها على مصالح شخصية للمشهود عليه، أما رواية الحديث، فيلزم بها الآلاف بل الملايين وعلى امتداد الزمن.
والمثل على ذلك إحداد المتوفى عنها زوجها؛ فقد أثبته الشافعي في «الأم» بناء على روايته من امرأة واحدة هي: زينب بنت أبي سلمة).
بهذه الرواية عن امرأة واحدة ألزمت ملايين المتوفى عنهن بالإحداد، وعلى مدى القرون السابقة واللاحقة، رغم أن عبارة القرآن واحدة يتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ} [البقرة: 228] بالنسبة للمطلقات وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ} [البقرة: 228] والمتوفى عنهن وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ} [البقرة: 228]، وبالرغم من وجود روايات أخرى تنفي الحداد، ومنها روايتان عن ابن عبّاس وعن أسماء بنت عميس زوجة جعفر بن عبد المطلب، ذكرهما الطبري في تفسيره. إن البراءة هي الأصل، سواء في التكاليف أو في حقوق الناس، فكيف تقبل رواية امرأة واحدة لإلزام ملايين الأفراد بتكاليف ثقيلة، وعلى مدى الأجيال والقرون، وترفض شهادتها بحق بسيط إلا مصالح شخص واحد، حتى لو تأكد القاضي من صدقها في ما أدلت أمامه:
لا
يمس
به
وعلمه بصدق غير العدل لا يبيح أن يقبل ما تحملا
ومثل ذلك قصر قبول شهادة المرأة عند التعدد على الأموال، وتحديد قيمتها الإثباتية بنصف قيمة شهادة الرجل.
فمن ناحية، الآية 281 من سورة البقرة التي وردت فيها الإشارة إلى رجل وامرأتين، تتعلق بتوثيق الكتابة بالشهادة، وهي شهادة لا يجمعها مع الشهادة كوسيلة إثبات أمام القضاء إلا الاشتراك اللفظي، ويؤكد ذلك أن الشهود الموثقين المشار إليهم في الآية 281 يؤدون «شهادتهم» مجتمعين بالدائن والمدين وليس أمام القاضي؛ وهم مع الطرفين يذكر بعضهم بعضاً أَن تَضِلَّ
(1) الأم، 230/ 5. (2) جامع البيان، 512/ 2.
(3) فقد كانت الكتابة في بدايات استعمالها، والشكل الواحد يعبر عن حرفين إلى أربعة حروف، ولم يكن التمييز بينها بالتنقيط قد أحدث إضافة إلى قابلية نفس الشكل لأكثر من قراءة مثل كلمتي سبعة وتسعة اللتين كانت لهما نفس الهيئة، ومن دون تنقيط الباء، والتاء، فكان تعدد الشهود للاحتياط، واقتصر التعدد على المرأة؛ لأن المجتمع إذ ذاك لم يكن يسوغ مساواتها للرجل في معظم شؤون الحياة العامة.