النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٤٧

نظرية المساواة في الفقه الإسلامي

د. أحمد الخمليشي

147

إحْدَتهُمَا فَتُذَكَّرَ إِحْدَتْهُمَا الْأُخْرَى، ولا يؤدون شهادتهم لدى القاضي، إذ من القواعد الأساسية لأداء الشهادة أمام القضاء قديماً وحديثاً شرقاً وغرباً: الاستماع إلى الشهود فرادى، ولا يسمح للشاهد بالاستعانة بشاهد آخر

في

أداء شهادته.

«الشهادة» الواردة في الآية 281 إذا كانت في مرحلة من مراحل تطور الكتابة وتوثيقاً لها، وتؤدى جماعياً عند طلب ذلك من المتعاقدين، وليس من القاضي، ولم يبق لها وجود؛ لأن الكتابة تطورت وأصبحت أكثر ثقة، وانعكس الحكم بتوثيق الشهادة بها وليس العكس.

وإضافة إلى ذلك لم ترد آية ولا حديث يمنع المرأة من الشهادة في غير الأموال أو يصرح بقصر ذلك على الرجل، بل الفقه ذاته لم يتفق على ما يمنع على المرأة الشهادة فيه مفردة أو متعددة. إن التقرير الفردي للأحكام، ومن خلال ذلك تطبيق المساواة أو استبعادها لا يقتصر أثره على غياب متانة التعليل، وإنما يؤدي كذلك إلى تعدد الآراء، وتعارضها، ومن أمثلة ذلك شهادة المرأة في الأموال وفي غيرها، وفي ما لا يطلع عليه إلا النساء وتوليها القضاء بين الإجازة المطلقة والمنع المطلق، والإجازة المحدودة، والأمر أكثر وضوحاً في وضعها داخل الأسرة زوجة أو بنتاً. إن كثرة الآراء وتعارضها مع غياب بناء تعليل منطقي مطرد، يتعذر معه استخلاص نظرية عامة لمفهوم المساواة في التعامل مع المرأة ومثل ذلك بين مطلق الأفراد.

ثالثاً: الاضطراب في جهات التقرير:

يمكن أن يضاف إلى الأسباب التي تصعب تشخيص نظرية للمساواة: الاضطراب الملاحظ في جهات التقرير للأحكام، فجميع مجالات العلاقات الاجتماعية/ المعاملات يمكن أن يثار فيها مبدأ

المساواة.

ونجد ثلاثة مصطلحات أطلقت على من أسندت إليهم صلاحية التقرير في تلك المجالات: أهل

الحل والعقد الخليفة، المجتهد.

أهل الحل والعقد قد يقتصر الحديث عنهم على بيعة الخليفة، وقد تضاف إليهم اختصاصات واسعة نظرياً على الأقل (1).

(1) يرى الأستاذ محمد رشيد رضا في تفسير المنار: إن أهل الحل والعقد هم أولو الأمر الذين كانوا في الصدر الأول معروفين في كل قوم وكل بلد وكل قبيلة يثق بهم الناس في أمور دينهم ومصالح دنياهم، وكانوا يحتاجون إليهم في مبايعة الإمام (الخليفة) وفي الشورى وفي السياسة والإدارة والقضاء … كان الخلفاء الراشدون وقضاتهم العادلون يعرفون رؤساء الناس وأهل العلم والرأي والدين، ويعرفون أنهم أولو الأمر فيدعونهم عند الحاجة … » (195/ 5 و 197). ووفقاً لهذا كان لأهل الحل والعقد دور بارز في الشورى، وفي السياسة وفي الإدارة، وكل هذه المجالات تسهم في صياغة مبدأ المساواة.