النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٤٨

148

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الخليفة تصل صلاحياته إلى اعتبار رأيه رافعاً للخلاف بين المجتهدين، وهو مستقل بالتقرير

في مجال السياسة الشرعية، وفي ذات الوقت ملزم بالاستشارة مع الاختلاف فيمن يستشير وفي آثار الاستشارة.

"

(1)

أهل الحل والعقد والخليفة حلت محلهما الآن ما نسميه: مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية التي تكون منتخبة أو غير منتخبة، وتقرر عملياً في كل المجالات التي تهم مبدأ المساواة. والمجتهد لا يكاد الحديث عنه ينتهي إلى نتيجة.

فمن ناحية لا وجود لوسيلة متعارف عليها للاعتراف بصفة «مجتهد»، مع الالتزام بآثار ذلك الاعتراف. ولحد الآن يتشكّل الفقه مما روي عن المؤسسين للمذاهب، وكل ما أضيف إليه أو تفرع عنه داخل كل مذهب يبقى منسوباً إلى المذهب، وليس اجتهاداً بمفهومه الأصيل في أصول الفقه. ومن ناحية ثانية ونتيجة لغياب وجود المجتهد والاعتراف به عوض المصطلح في الخطاب التداولي بألفاظ أخرى: العالم، المفتي الفقيه. وبقدر ما عز ادعاء الاجتهاد والاعتراف به، اتسعت المصطلحات الثلاثة بشكل لم يسبق له مثيل مع الاختصاص المطلق لتقرير حكم الشرع في كل شيء من شؤونه الفرد والجماعة (2)، وفي هذا الوضع تتعدد الآراء قطعاً إلى حد التناقض، إضافة إلى ما تصدره مؤسسات الدولة من أحكام وفقاً للنظام الدستوري الجاري العمل به في كل دولة إسلامية.

إن التقرير في تحديد مفهوم المساواة وتطبيقه موزع اليوم بين مؤسسات الدولة التي لها شرعيتها باعتبارها وريثة «الخليفة»، و «أهل الحل والعقد الذين يؤكد الاجتهاد الفقهي ذاته اختصاصهم بالتقرير في طائفة من مصالح الأمة، وإن لم تكن معينة بدقة (3).

غياب

(1) هل العلماء وحدهم كما يقول ابن عطية: وصفة المستشار في الأحكام أن يكون عالماً ديناً». المحرر الوجيز (281/ 4)؟ ونقل عنه القرطبي في تفسيره (249/ 4): «من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب». أم أهل الحل والعقد وأولو الأمر. مع التحديد الدقيق لهؤلاء؟ أم تكون الاستشارة بحسب التخصص؟ نقل القرطبي عن ابن خويز منداد قوله: «واجب على الولاة مشاورة العلماء في ما لا يعلمون، وفي ما أشكل من أمور الدين، ووجوه الجيش في ما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس في ما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال في ما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها». الجامع لأحكام القرآن 250/ 4 وهو ما أشار إليه السيد محمد رشيد رضا بقوله: «إن العالمين بما ذكروه من شروط المجتهد لا يعرفون مصالح الأمة والدولة في الأمور العامة كمسائل الأمن والخوف والسلم والحرب والأموال، والإدارة، والسياسة بل لا يوثق بعلمهم الذي اشترطوه في أحكام القضاء في هذا العصر

الذي تجدد للناس فيه من طرق المعاملات ما لم يكن له نظير في العصور الأولى فيقيسوه به». تفسير المنار، 205/ 5.

(2) جاء في البيان الختامي للمؤتمر العالمي للفتوى وضوابطها الذي عقده المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي بمكة في 17 - 20 يناير 2010: «المفتي هو المخبر بحكم الله عن دليل لمن سأله عنه. مجالات الفتوى: تشمل الفتوى جميع تصرفات العباد، لا يخرج عنها اعتقاد، أو قول، أو عمل. وهذا يشمل علاقة المكلف بربه، وبنفسه، وبغيره، وبالدولة التي يعيش فيها، وعلاقة الدولة بغيرها من الدول في زمن السلم والحرب. أي أن الفتوى تتصل بمختلف المجالات: العقيدة، والعبادة، والمعاملة، والمال، والاقتصاد والأسرة والسياسة والحكم والقضاء، وغير ذلك».

(3) فأحكام «السياسة الشرعية» موكولة إلى الإمام أو ولي الأمر باتفاق الفقه، وتحقيق المصالح العامة، وعمارة البلاد، يستشار فيها وجوه الناس والسياسيين الممارسين كما يقول ابن خويز منداد - المشار إليه سابقاً الوظيفة الأساسية لولي الأمر. وهي وهذان المجالان: السياسة الشرعية والمصالح العامة هي أهم العناصر المتدخلة في تحديد مفهوم المساواة.

-