النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٥٨158
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
وبالتالي كان طبيعياً ألا يستخدم اصطلاح القانون الطبيعي في الكتابات الإسلامية القديمة، ومعنى ذلك أننا أن يجب نبحث عن اصطلاح آخر يكون قد استخدمه مفكرو الإسلام، سواء كانوا فقهاء أم متكلمين، أو فلاسفة يعبرون به عن مضمون القانون الطبيعي. وقد وجدنا أن اصطلاح «العدل» حظي بدراسة واسعة من المتكلمين سواء كانوا معتزلة أم أشاعرة أو ماتريدية أو فلاسفة، سواء تعلق الأمر بالكندي أو الفارابي أو ابن سينا أو ابن رشد، أو غيرهم من فقهاء، أو أخلاقيين كمسكويه والغزالي والطوسي، وبالتالي قررنا أن نعتبر لفظ «العدل» بداية الخيط
لهذه الدراسة.
(1)
وقد وجدنا أن خير تعريف لكلمة «العدل» قد لخصتها رسالة سعيد بن جبير إلى الخليفة عبد الملك (ت 86 هـ/705 م) جواباً عن سؤاله عن معنى كلمة العدل، وقد أورده د. مجيد خدوري حيث يقول التعريف: إن العدل على أربعة أنحاء: أولاً: العدل في الحكم. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]. ثانياً: العدل في القول؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: 152]. ثالثاً: والعدل الفدية. قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُها شَفَعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: 123]. رابعاً: العدل بمعنى الشرك؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1] أي
يشركون.
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: 129]، قال عبيد السلماني والضحَّاك: «القصد من عدم القدرة على العدل في الحبّ والجماع»، وهكذا وفلان يعدل فلاناً أي يساويه، ويقال: ما يعدلك عندنا شيء، أي ما يقع عندنا شيء موقعك.
وعدل الموازين والمكاييل سواها وعدل الشيء يعدله عدلاً وعادله: وازنه، وعادلت بين الشيئين، وعدلت فلاناً بفلان إذا ساويت بينهما. وتعديل الشيء تقويمه. وقيل: العدل تقويمك
الشيء بالشيء من غير جنسه حتَّى تجعله له مثلاً. والعدل والعديل سواء، أي النظير والمثيل». ويضيف مجيد خدوري (ص (23): (وعلى هذا يكون المعنى الحرفي لـ (عدل) في العربية الفصيحة مزيجاً من القيم الأخلاقية والاجتماعية، وهو يعني الإنصاف، الميزان، الاعتدال، الاستقامة. أما منطقياً فالعدل الإلهي مركّب من كل هذه القيم والفضائل. ولا شك أن معنى من هذا
(1) انظر: مفهوم العدل في الإسلام، دار الحصاد، دمشق، ص 22 - 23، مشيراً إلى ابن منظور في لسان العرب، 458/ 13، وستكون الإشارة إلى مفهوم العدل في الإسلام بخدوري والصفحة.