النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٦٣

القانون الطبيعي وقواعد العدالة من المنظور الإسلامي

د. برهام محمد عطا الله

163

ثانياً: فكرة الحسن والقبح العقليين لدى المتكلمين

ما

هو المعيار الذي سنطبقه لكي نقول إن طائفة من المتكلمين يمكن وصفهم بأنهم تعرضوا لشيء شبيه بفكرة القانون الطبيعي وقواعد العدالة؟

هذا المعيار نراه في القول باستخدام العقل في استخلاص الحكم، أي بعبارة معاصرة القدرة على استخلاص القاعدة القانونية بواسطة العقل، من دون انتظار أن يكون هناك وحي نزل بحكم الشرع). ولهذا الأمر أهمية كبيرة في حالة ما إذا تصورنا - فرضاً ـ اختلاف ما توصل إليه العقل وما نزل به الشرع، فهي إذاً معركة العقل والنقل.

1

-

ونعرض على التوالي باختصار موقف المعتزلة والأشاعرة والماتريدية.

المعتزلة:

مبدأ الحسن والقبح العقليين هو الذي يعتبر في نظرنا خير تطبيق لنظرية القانون الطبيعي والعدالة من منظور إسلامي. وقد ارتبط المبدأ بالمعتزلة، بالإضافة إلى المبادئ الخمسة المتمثلة في مبدأ العدل والتوحيد ومبدأ الوعد والوعيد ومبدأ المنزلة بين المنزلتين، ومبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي المباحث التي عبّر عنها القاضي عبد الجبار (415 هـ/1025 م) في كتابه شرح الأصول الخمسة (2).

وفي هذا الكتاب يفتتح القاضي عبد الجبار مناقشة العدل (3) بتعريف الأفعال العادلة والأفعال الظالمة. فالفعل العادل في رأيه فعل يؤديه الإنسان لا لمصلحته، بل لمصلحة شخص غيره، أو أشخاص يؤدى الفعل من أجلهم ولهذا لا يقال في الكلام وفي الأكل والشرب، وفي أداء واجب ديني أنها أفعال عادلة؛ لأن المنتفع بهذه الأفعال ليس سوى الشخص الذي يؤديها وليس غيره. فيمكن تعريف أفعال العدل على العموم بأنها الأفعال التي تعود بالخير على الآخرين، ويوصف

من يؤديها بالعدل.

أستاذنا (1) يشرح الشيخ محمد أبو زهرة المسألة بالطريقة الآتية: هل للعقل موضع من الأحكام الشرعية، وهل المكلف مأخوذ بما يقضي به العقل؟ «لقد قال الشيعة من العلماء المسلمين: إن العقل مصدر فقهي في ما لم يرد به كتاب أو شنة على أنهم يعرفون السُنَّة بمعنى أوسع، ولكن اعتباره مصدراً من مصادر الفقه الإسلامي عند الإمامية على أساس من الشرع، فبإذن منه جعل لهم الحق في الأخذ بما يشير إليه العقل، وإن جمهور الفقهاء لا يجعلون العقل حاكماً، بل يرون ما لا نص فيه إلى ما فيه نص بالطرق المختلفة، إما بطريق القياس أو الاستحسان أو الرد إلى المصالح المعتبرة شرعاً، وإن لم يشهد لها

دليل خاص. أصول الفقه، ص 66.

(2) ينظر: تحقيق حسين عثمان، القاهرة، 1965.

(3) ويسمي المعتزلة أنفسهم أهل العدل والظاهر أنهم تأثروا بأفكار الفرق التي يطلق عليها بالخوارج.