النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٦٤164
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
وقد ذهب المعتزلة مع غيرهم من المتكلمين إلى أن العدل المثالي هو العدل الإلهي، لكنهم قالوا أيضاً: إن الإنسان بالإضافة إلى عدل الشريعة يستطيع إدراك مفهوم العدل بالعقل، وهذان المفهومان عن العدل مرتبطان أحدهما بالآخر. فالعدل العقلي يقصد به أن يهدى المرء إلى فعل الخير وفق عدل الوحي. وهذا يفترض وجود معيارين للعدل في مذهب المعتزلة عدل إلهي (جزائي) يوزن بميزان يوضع وفق الشريعة «الثواب والعقاب يوم الحساب»، وعدل عقليّ يوزن بميزان يوضع لسلوك المرء على الأرض، والمعتزلة يرون أن العدل الإلهي تعبير عن ذات الله، وأن الإنسان لا يمكن أن يفعل إلا ما هو الأصلح للإنسان، ويرون أنَّ الإنسان يسعى دائماً لتحقيق العدل الإلهي في الحياة الدنيا، ولكنه لا يستطيع ذلك إلَّا بفضل العقل»، وهذه درجة من العدل قريبة من العدل الإلهي، وانعكاس له، وتترجم إلى أفعال إنسانية بإرادة حرَّة (الاختيار). ويطلق خدوري (ص (62) على هذا الصنف من العدل اسم: العدل العقلي الذي يمكن أن يتطابق مع العدل الطبيعي، والذي يتألف من مبادئ ومسلمات عامة للعدل، ويحددها العقل إلا أنه عدل توحيدي لا يدركه إلا المؤمنون بالله الواحد.
والعدل الطبيعي الذي يشير إليه خدوري هو ما نعتبره تجسيداً لمفهوم القانون الطبيعي والعدالة. ونحن نعتقد بأن المعتزلة بقولهم بقدرة العقل على تحديد العدل، وتوضيح ذلك بمبدأ الحسن والقبح، يعتبرون الممثلين الأساسيين لمدرسة القانون الطبيعي والعدالة من منظور إسلامي. ولكن ليس معنى ذلك أنهم يأخذون بالفكر اليوناني الإلحادي، بل هم مؤمنون صادقون قبلوا بصحة المصادر النصية كشيء مفروغ منه، وكما فعل خصومهم وقالوا بوضوح: «إن العقل والوحي الذي لم يشكوا أبداً فيه يتفقان دائماً. فالأول يوجه الإنسان وفق مبادئ العدل العامة، والثاني يوجهه في الأفعال المختلفة، ولكن لأن المعتزلة أعطوا العقل دوراً كبيراً في الشؤون الإنسانية قالوا بوجود تأويل الوحي تأويلاً يتفق مع العقل إذا تناقض الوحي والعقل، وكنتيجة
لنظرتهم في العدل أن قرروا مبدأ الاختيار ومبدأ المسؤولية كنتيجة حتمية لمبدأ العقلانية. فإذا كان العقل هو الذي يحدد العدل، وأن أفعال الإنسان وليدة لاختياره وأفعاله الحرة، فإن الإنسان لا بد أن يثاب أو يعاقب على اختباره ومن هنا رفض المعتزلة قول الجبريين الذين قالوا بالجبر، وأن الله خلق الإنسان وأفعاله، كما رفضوا قول الحسن البصري المتمثل في أن «الخير من الله والشر من الإنسان»، وهو الرأي الوسط الذي جاء به الحسن البصري بين رأي الجبريين والقدريين القائلين بأن الإنسان خلق أفعاله، وهو وحده المسؤول عنها.
ويلخص الشيخ محمد أبو زهرة الموضوع فيقول: (وبهذا يتحرر أن المعتزلة يرون أن الأشياء أقسام ثلاثة: أشياء حسنة في ذاتها لا يجوز إلا أن يأمر الله بها، وأشياء قبيحة في ذاتها، وهذه
(1) خدوري، ص 68، وهامش،19، حيث يشير بالنسبة لميل الإنسان بطبعه إلى فعل الخير والمراجع التي يشير إليها.