النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٦٥القانون الطبيعي وقواعد العدالة من المنظور الإسلامي
د. برهام محمد عطا الله
165
• (((1)
به
لا يجوز أن يأمر الله بها، وأشياء مترددة بين الأمرين القبيح والحسن، وهذا القسم يجوز الأمر والنهي عنه، فإن أمر به فهو حسن للأمر، وإن نهي عنه فهو قبيح للنهي فمقتضي مذهب المعتزلة هو فرضه الحسن الذاتي والقبح الذاتي، وأن الحسن لذاته يكلف الشخص القيام به وإن لم يعلم الشرع، والقبح لذاته يكلف الشخص أن يجتنبه ولو كان لا يعلم نهي الشارع عنه، ومؤدّى ذلك ترتيب النتائج التالية:
1 - إن أهل الفطرة ومن يكونون في المجاهيل مكلفون أن يفعلوا ما هو حسن لذاته، وأن يمتنعوا عما هو قبيح في ذاته، فلا يحل لهم أن يكذبوا، ويجب عليهم أن يعدلوا في ما بينهم وهم محاسبون على ظلمهم مجزيون على عدلهم.
2 - إنه إذا لم يكن نص يكونون مكلفين بما يقضي به العقل في الحكم على الأشياء، من حسن ذاتي أو قبح ذاتي، فما يقضي به العقل في موضع لا نص فيه فهم محاسبون عليه.
(2)
3 - أن الله تعالى لا يأمر بأمر قبيح قبحاً ذاتياً، ولا ينهى عن شيء فيه حسن ذاتي من كل هذا يبين أن المعتزلة أنصار العقل والعدل، وهم ما يمكن أن نعتبرهم ممثلين لما يمكن أن نطلق عليه القانون الطبيعي، وقواعد العدالة من منظور إسلامي.
2 - الأشاعرة
يرى الأشاعرة ـ وهو ما عليه جمهور الأصوليين - أنه لا وجود لحسن ذاتي أو قبح ذاتي، ولا تكليف إلا من الشارع، فهم يرون أن الأشياء ليس لها حسن ذاتي ولا قبح ذاتي، وأن الامور كلها إضافية، وأن إرادة الله تعالى في الشرع مطلقة لا يقيدها شيء، فهو خالق الأشياء وهو خالق الحسن والقبح، فأوامره هي التي تحسن وتقبح، ولا تكليف بالعقل، وإنما التكليف بأوامر الشارع
(1) ويشير أستاذنا أبو زهرة، ص 66 67 من أصول الفقه إلى الخلاف بين الشيعة وجمهور المسلمين في اعتبار العقل دليلًا حيث لا نص وعدم اعتباره دليلاً، أساسه هو الخلاف في مسألة التحسين العقلي والتقبيح العقلي، فالشيعة الإمامية؛ لأنهم ينهجون منهج المعتزلة في العقائد اعتبروا العقل مصدراً عند الافتقاد إلى النص، وجمهور الفقهاء حيث لا ينهجون منهج المعتزلة لم
يعتبروه أصلاً.
(2) استدل المعتزلة على قولهم بثلاثة أدلة يراها الشيخ محمد أبو زهرة كالآتي: «الدليل الأول: أن هناك أعمالًا وأقوالًا لا يسع العاقل الا أن يفعلها ومن شأنها أن فاعلها لا يذم بل يمدح، وهذه أفعال حسنة في ذاتها، وإن هناك أعمالاً لا يجوز لعاقل أن يفعلها إما لأن العقل يوجب ألا تفعل، وإما لأنها تجلب مذمة الناس وعدم مدحهم، وهذه قبيحة لذاتها، وعلى هذا فالصدق حسن في ذاته والكذب قبيح لذاته، ولا يجوز لأحد أن يفعله فالعقل لو خير بين الصدق والكذب لاختار الصدق وما كذب لذمه الناس والدليل الثاني: أن الحسن والقبح أمران يدركان بالعقل، وأن العلم بالحسن والقبح ضروري فقد علم الناس بضرورة العقل أن الظلم قبيح والعدل حسن، وأن الكذب قبيح ولو كان نافعاً والصدق حسن ولو كان ضاراً، وقد تطابق الناس
على ذلك لا فرق بين متدين وغير متدين.