النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٦٦=
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
166
ونواهيه، ولا ثواب ولا عقاب إلا بمخالفة أوامر الشارع، ولا عبرة بأوامر العقل، إنما العبرة دائماً بأوامر الشارع الحكيم.
رغم أن أبا الحسن الأشعري هو الذي سميت حركة الأشاعرة على اسمه، إلا أن أبا بكر الباقلاني (403 هـ/1012 م) هو الذي وضع أسس المذهب الأشعري، ومهد الطريق لأبي حامد الغزالي (504 هـ/1111 م) ليبني عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة. قبل الباقلاني منهج العقل والنقل المزدوج فوافق الأشعري بشأن العلاقة بين الشريعة والعدل المشتقين كلاهما من الوحي. وكان الباقلاني يرى أن على الإنسان عند اللجوء إلى العقل أن يستخدم منهج الاستدلال الذي يكتسب به المرء المعرفة عن المجهول من المعلوم) استدلال الغائب من الشاهد وذلك بتمييزه بين المعرفة الإلهية والمعرفة الإنسانية. فالمعرفة الإنسانية عند الباقلاني مشتقه من النقل والعقل معاً، بينما تعتمد المعرفة
الإلهية بالضرورة على النقل، وذلك أن العقل ليس الوسيلة المناسبة لفهم المعرفة الإلهية (2). وقد أورد د. عبد الرحمن بدوي (3) حجج إمام الحرمين أبي المعالي الجويني ضد فكرة الحسن والقبح وحصرها في الآتي:
1 - اختلاف الناس في ما هو حسن وقبيح، فحين يدعي المعتزلة أن الحسن والقبح يدركان بالضرورة والبداهة، نجد أن كثيراً من الناس. تنكره. فلا يصح إذا ادعاء الفروق في إدراكه؛ فالبراهمة مثلاً يعتقدون قبح ذبح البهائم وإيلامها وتعريضها للتعب، بينما المعتزلة لا يرون ذلك.
- 2
لما
- يرد الجويني على المعتزلة في ما يتعلق بقولهم: (إن الحسن لو لم يعقل قبل ورود الشرع فهم أيضاً عند وروده بأن ذلك باطل؛ لأننا نعلم مثلاً قبل ظهور المعجزات أن من تأتي على يديه يكون نبيّاً، فإذا أتت على يديه أدركناها وحكمنا أنه نبي».
3 - يتساءل الجويني: هل يكون القبيح قبيحاً بنفسه أو إلى صفة نفسه؟ ويقول: «إن قلتم هذا فهو باطل؛ لأن القتل ظلماً يماثل القتل حدّاً وقصاصاً، ومع ذلك فالأول قبيح والثاني حسن وعادل، كذلك نجد بعض الأفعال لو صدر من غير مكلف فإنه لا يتصف بكونه قبيحاً، ولو صدر من بالغ لكان قبيحاً. فليس الفعل في ذاته هو الذي يتصف بالقبح أو بالحسن» (4).
(1) أبو زهرة: أصول الفقه،
ص
70
(2) خدوري، ص 83. ويشير إلى أبي ريدة التمهيد للباقلاني، القاهرة 1986، ص 241 - 56 وإلى كتاب التمهيد، تحقيق: مكارثي، بيروت، 1956. وكتاب الإنصاف، تحقيق: الكوثري، القاهرة، 1963.
(3) في: مذاهب الإسلاميين عن المعتزلة والأشاعرة، 743/ 1، دار العلم للملايين، بيروت، 1971. (4) وبعد أن يورد د. عبد الرحمن بدوي هذه الحجج يقول (ص 745): وبهذه المناسبة يتعرض الجويني لمسألة الصلاح والأصلح
فينتقد المعتزلة لقولهم بأنه حتم على الله فعل الأصلح للعباد في دينهم ودنياهم، وأن عليه فعل أقصى ما يقدر عليه في