النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٦٧=
167
|
القانون الطبيعي وقواعد العدالة من المنظور الإسلامي
د. برهام محمد عطا الله
ويظهر بكل وضوح أن الأشاعرة غير المعتزلة، وأن موقفهم لا يمكن أن يكون موقفاً مشجعاً لما يمكن أن يطلق عليه مبادئ القانون الطبيعي، ولعلَّ ذلك هو ما أوقف نمو ازدهار الفكرة في بلاد الإسلام.
وعلى العكس من ذلك ازدهرت الفكرة في بلاد الغرب الأوروبي، ابتداء من القديس توما الأكويني الذي تأثر بكتابات الفلاسفة المسلمين، وخاصة ابن رشد في موضوع العدل الإلهي والعدل الطبيعي والعدل الوضعي، كما سنرى.
3 - الماتريدية
نسبة إلى أبي منصور الماتريدي (944/ 333)، وهو حنفي المذهب، وقرر في شرحه «للفقه الأكبر المنسوب إلى أبي حنيفة الحاجة إلى العقل لتأويل الوحي، وهو بذلك وقف موقفاً وسطاً بين الأشاعرة والمعتزلة).
فكما رأينا يقول المعتزلة بحسن الأفعال وقبحها لذاتها وإلزاميتها قبل ورود الشرع، وكما رأينا أيضاً قول الأشاعرة بأنه لا حسن ولا قبح في الأفعال لذاتها، ولا حكم قبل الشرع.
فتوسط الماتريدي وقال بحسن الأفعال وقبحها، وأن الأحكام تابعة لذلك الحسن أو القبح، وحيث إنَّ الشارع حكيم فإنه لا يوجب غير الحسن ولا يجري غير القبيح
(2)
وقد تناول أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة (3) قول الماتريدية، وذكر أنه نقله عن أبي حنيفة، والحنفية ينهجون منهاجه وهؤلاء يقولون إن للأشياء حسناً ذاتياً، وأن الله تعالى لا يأمر بما هو قبيح في ذاته، ولا ينهى عن أمر هو حسن في ذاته، وهم يقسمون الأشياء إلى حسن لذاته وقبيح لذاته، وما هو بينهما تابع لأمر الله تعالى ونهيه وهو ذات التقسيم الذي قرره الجبائي المعتزلي» (4).
الإرشاد،
ص
استصلاح عباده. وهو يستعين في ذلك بالحجج المشهورة التي ساقها الأشعري ضد أستاذه أبي علي الجبائي في مسألة الإخوة الثلاثة. ويظهر أن هذا الاحتجاج قد صار تقليدياً لدى الأشاعرة من بعده. غير أن الجويني زاد فيه إيضاحات؛ ويشير إلى 287 - 299، وقد أورد بدوي، ص 285 قصة الإخوة الثلاثة كما رواها ابن خلكان، ج 3 ص 398. وفيها انقطع الجبائي بعد أن قال الجبائي للأشعري: إنك مجنون ورد عليه تلميذه: لا بل وقف حمار الشيخ في العقبة. (1) كما يرى أن الإنسان يفعل أفعاله الخاصة بقدرة وضعها الله فيه وعباراته هي أن «الخلق من فعل الله يتم بمنح المرء القدرة لكن لدى استخدام القدرة المخلوقة يصبح الخلق فعل الإنسان حقيقة لا مجازاً»، شرح الفقه الأكبر الطبعة الثانية، حيدر أباد 1946، ص 10 مشار إليه في خدوري، ص 116.
(2) للماتريدي مؤلفات عدة يردّ بها على المعتزلة والقرامطة وله كتاب التوحيد وكتاب تأويلات القرآن، ويقال إنه كتاب لا يوازيه في التفسير كتاب، بل لا يدانيه شيء، من تصانيف من سبقه المرجع السابق الإشارة إليه، ص 116.
(3) انظر: أصول الفقه، ص)
69
(4) وفي هذا القدر يتفق الماتريدية والحنفية مع المعتزلة، ولكنهم يختلفون بعد ذلك عنهم، فالحنفية يرون أنه لا تكليف
ولا ثواب بحكم العقل المجرد، بل إن الأمر في التكليف والثواب والعقاب إلى النص والحمل عليه فليس للعقل المجرد أن