النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٦٨أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
168
وهذا الموقف للماتريدي والأحناف يجعلهم يعترفون بالقانون الطبيعي والعدل العقلي من دون استخدام الاصطلاح، كما فعل بعدهم بثلاثة قرون القديس توما الأكويني حين ميز بين أنواع ثلاثة من القوانين قانون إلهي أزلي، قانون طبيعي مشتق من القانون الإلهي يستخلصه الإنسان بعقله، وهناك أخيراً القانون الوضعي الذي يجب أن يتسق مع القانون الطبيعي. وسنعرض ذلك مرة أخرى حين نعرض مدى تأثر القديس توما الأكويني بكتابات ابن رشد في فصل المقال، ومناهج الأدلة وشرح جمهورية أفلاطون وأخلاق نيقوماخوس وهي الكتب التي عالج فيها ابن رشد موضوعات القانون الطبيعي من دون أن يستخدم الاصطلاح.
ثالثاً: الفلاسفة والقانون الطبيعي
حين يذكر القانون الطبيعي أمام القانونيين تخرج على السطح شخصيتان رئيسيتان: أرسطو والقديس توما الأكويني. الأول: هو فيلسوف اليونان وأستاذ الإسكندر الأكبر، والذي كانت له زيارات لمصر القديمة في فترة قريبة من نفس الفترة التي يعتقد أن أفلاطون قد زار مصر خلالها، وتأثر الاثنان بحكمة الكهنة المصريين، وتعرفوا على آلهة العدل معات (1) Maat، وربما يكون الأستاذ وتلميذه تماماً مثل سولون مشرّع اليونان الأول الذي زار مصر أيضاً) قد أخذا الكثير من أفكار المصريين القدماء. ويكفي المرء أن يطلع على المطبوعة الكاملة الصادرة في مجلد واحد لأعمال أفلاطون التي صدرت في العام الماضي، ليعرف عدد المرات التي يذكر فيها أفلاطون القانون المصري في الجزء الخاص بالقوانين ليتحقق من مدى تأثره بما يمكن أن يعتبر الفلسفة القانونية الفرعونية.
وإذا كان أرسطو أكثر من أفلاطون هو ما يرتبط اسمه لدى القانونيين بفكرة القانون الطبيعي مع القديس توما الأكويني، فإن الدراسة المقارنة لكتابات أرسطو والقديس توما تثبت اختلاف نظرة كل منهما بخصوص القانون الطبيعي. فمثلاً خصص أرسطو الكتاب الخامس من أخلاق نيقوماخوس إلى عرض موضوع العدل والعدالة كما تعلمه أرسطو من أستاذه أفلاطون في Criton، حين أشار أفلاطون إلى احترام سقراط للقانون، وقبل أن يموت راضياً ورافضاً الهروب من حكم القانون. ومن هنا كانت معظم كتابات أرسطو عن العدل القانوني الذي سماه العدل الاتفاقي، ولم تحظ فكرة العدل الطبيعي بنفس الأهمية.
ينفرد بتقرير الأحكام في غير موضع النص، بل لا بد أن يرجع إلى النص أو يحمل عليه بأي طريق من طرق الحمل بالقياس أو المصلحة المعتبرة المشابهة لما جاء بالنص، وهذا هو الاستحسان. وفي الجملة لا بد من الرجوع إلى النص فليس للعقل المجرد قدرة على التكليف والحكم على الأشياء، بل لا بد من الاستعانة بالشرع.
Jan Assmann، MAAT، L'Egypte Pharaonique et l'idée de justice sociale، Mdvéditeur، Paris، 2010.
(1)