النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٦٩

=

169

القانون الطبيعي وقواعد العدالة من المنظور الإسلامي

د. برهام محمد عطا الله

وهنا وعلى عكس أرسطو نجد أن القديس توما قد خصص كثيراً مِمَّا كتبه عن أنواع القوانين، ومنها القانون الطبيعي الذي كتب عنه بغزارة بعد ذكره للقانون الإلهي

(1)

وقد قام الأستاذ بيير كيزر بحصر الفروق بين القطبين الكبيرين في مقالة عن القانون

(2)

الطبيعي، طبقاً لأرسطو والقديس توما الأكويني في مجلة قانونية حديثة نسبياً تصدر عن كلية الحقوق بجامعة إكس مارسيليا (3). ومن بين هذه الفروق أن أخلاق أرسطو أخلاق علمانية، بينما أخلاق القديس توما أخلاق ربانية. وأن إله أرسطو إله أسطوري (وثني) بعيد عن مشكلات العالم وآلام البشرية، وعلى العكس من ذلك، فإن إله القديس توما هو الرب سبب وغاية الإنسان». بين هذين الإلهين يبرز الكاتب دور إله الرواقيين (Stoicisme) (4) الذي هو محرك العالم (5).

(1) انظر: ترجمة فرنسية جديدة للجزء الذي خصصه القديس توما الأكويني للقوانين في الخلاصة اللاهوتية. Saint Thomas

D'Aquin، Les Lois، Lois éternelles، Loi naturelle nonécrite، lois humaines، Traduit par Jean de la Croix Kaelin، op. Pierre Téqui éditeur، Aurore، Paris، 2003.

فالقديس توما الأكويني مستلهماً إضافات ابن رشد رغم عدم تصريحه بذلك أعاد صياغة نظرية القانون الطبيعي، وفرق بين القانون الإلهي وهو الأزلي والقانون الطبيعي والقانون الإنساني، والأول أي القانون الإلهي يعبر عن مشيئة الله تصل إلينا عن طريق الرسل والوحي والشعور ويؤمن بها المؤمنون، ولا يستطيع العقل إدراكها على حقيقتها والثاني القانون الطبيعي هو غاية ما يستطيع العقل من القانون الإلهي الأزلي والثالث: القانون الإنساني الذي هو من صنع الإنسان ويجب أن يستلهم قواعد القانون الطبيعي، وأن يطابق مبادئه التي تشمل جميع القواعد القانونية التي تتفق مع طبيعة الخليقة. انظر: «سليمان مرقص: الوافي في شرح القانون المدني، ود. حبيب إبراهيم الخليلي، 1987، ص 455، الجزء الاول المدخل للعلوم القانونية، وشرح الباب التمهيدي للتقنين المدني، ص 455. الذي أضاف في هامش 167 في نفس الصفحة أن القديس توما الأكويني رتب على خضوع القانون الوضعي للقانون الطبيعي أنه إذا خالف الأول الثاني فإنه لا يكون قانوناً واجب الاحترام من حيث الذمة والضمير؛ لأن القانون إنما يستمد قوته من إقرار الضمير بوجوبه ولكنه (أي القديس توما) يستدرك فيقول: إنه قد يكون من الخير التسليم باحترام قانون وضعي غير عادل؛ لأن أرقى قواعد القانون الطبيعي تقضي بأن يضحى أحياناً بالمصلحة الخاصة من أجل المصلحة العامة، فيضحى مثلاً بحق الفرد من أجل سيادة الأمن والنظام وسلطان القانون وفي هذه الأحوال لا يكون الاحترام واجباً للقانون غير العادل في ذاته، بل لذلك المبدأ الأسمى من القانون الطبيعي الذي يفرض التضحية الخاصة من أجل المصلحة العامة».

Pierre Kayser، La loi naturelle selon Aristote et Saint Thomas D'Aquin، Revue de la Rechereche Juridique، Droit (2) Prospectif، (RRJ). 1947 - 2 N. XXII - 69 (22 ème année، 69 numéro، Aix- Marseille.

(3) ويشار إليها اختصاراً (RRJ) مجلة البحث القانوني. القانون المستقبلي - سنة 1997 - العدد الثاني، ص 451. وانظر: أيضاً الأستاذ مقالاً لنفس في نفس المجلة سنة 1998، العدد الثاني، ص 387 - 431، تحت عنوان:

Pierre Kayser، Contribution au droit naturel a l'approche du troisième mille'naire.

(4) حينما انتقلت الرواقية إلى روما تأثر بها شيشرون Ciceron، ونجده يقول بوجود قانون ثابت موافق للطبيعة وللعقل القديم ينطبق على الناس كافة ولا يتغير في الزمان ولا المكان، وهو قانون أعلى من النظم والقوانين الوضعية، وأنه من النظام

الإلهي الذي لا يمكن التصدي لنسخه أو الخروج عليه. انظر: حسن كيره، ص 124 والمراجع التي يشير إليها.

(5) وفقهاء القانون في فرنسا وفي مصر يشيرون إلى قول «سوفوكليس» في مسرحية «أنتيغون» بنت أوديب المشهور حين حلّت اللعنات على أسرتها، وكان من بين هذه اللعنات اقتتال أخويها وقتل كل منهما الأخ الآخر، وصدور الأمر بعدم دفن أو إقامة الشعائر الجنائزية على الأخ الذي اعتبر أنه خائن للمدينة، وأن يترك في العراء لتأكله الحيوانات والطيور

الجارحة. تقول في المسرحية أنتيغون محدثة أختها ومتهمة عمها «كريون» الذي خلف أباها في رئاسة المدينة: «ما أرى