النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٧٠

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

170

وتمر فكرة القانون الطبيعي بمراحل متعددة ويصيبها ما يصيب الفلسفة والسياسة من محن وانتصارات. فتتعرض لهجوم جون دانس سكوت وغليوم دوكام باسم الاسمية، وتتعرض الفكرة للعلمنة على يد غروسيوس واتباع لوثر وكالفن (وتظهر إسهامات سبينوزا وهوبز ولوك وروسو وليبنيتز (رغم ظهور تيار الجزويت في إسبانيا، ومدرسة سالمنك، وخاصة على يد سوارس الذي عمق أفكار القديس توما الأكويني)، وأخيراً تأتي الثورة الفرنسية في البداية لتعترف بالقانون الطبيعي في أول دستور لفرنسا، وفي أول مشروع للقانون المدني الذي سيعرف في ما بعد بقانون نابليون، وتحصل الردة بعد ثلاث سنوات فتلغي الإشارة في الدستور الثاني، وكذلك من النسخة النهائية للقانون الذي سيعرف في بعد بقانون نابليون (1).

وعموماً سيكون القرن التاسع عشر قرن انحسار لفكرة القانون الطبيعي إلى أن تظهر بشائر القرن العشرين، وتبدأ في الظهور علامات نهضة جديدة، وخاصة تلك التي تبناها فقيه ألماني باسم ستاملر تحت اسم «القانون الطبيعي ذو الحدود المتغيرة، وفي النصف الثاني بدأت تظهر إلى الوجود مدرسة تومية تسعى إلى إحياء نظريات القديس توما الأكويني الكاثوليكي، كما بدأت تظهر دراسات عن القانون الطبيعي عند البروتستانت، والقانون الطبيعي في اليهودية، كل ذلك في إطار فلسفة القانون لكن بقي الأصل في الدراسات القانونية هو القانون الوضعي، حتى ولو كانت له جذور دينية أيّاً كانت الأديان.

ونعرض على التوالي ومن دون أن نأخذ في الاعتبار التتابع التاريخي للفلاسفة المسلمين؛ فنبدأ بابن رشد، ثُمَّ الفارابي، فالرازي فالكندي وأخيراً ابن سينا.

1 - ابن رشد موفقاً بين أرسطو وملهماً القديس توما الأكويني

أرسطو والقديس توما الأكويني قطبا فكرة القانون الطبيعي في العالم القديم والعالم الوسيط، بل وفي العصر الحاضر. وبين الاثنين ظهر ابن رشد الحفيد، ورغم الخلاف الكبير بين الثلاثة فإنهم ساروا في طريق العدل والعدالة، وما جرت تسميته بالقانون الطبيعي.

أن أمورك قد بلغت من القوة بحيث تجعل القوانين التي تصدر عن رجل أحق بالطاعة والإذعان من القوانين التي تصدر عن الآلهة الخالدين تلك القوانين التي لم تكتب والتي ليس إلى محوها من سبيل لم توجد هذه القوانين منذ اليوم ولا منذ أمس هي. خالدة أبدية، وليس من يستطيع أن يعلم متى وجدت … ». انظر: د. حسن كيرة، أصول القانون، دار المعارف، 1960/ 1909، الطبعة الثانية، ص 123 هامش (1)، ويشير إلى طه حسين من الأدب التمثيلي اليوناني،

سوفوكليس 1939، ص 188،

ص

198

(1) مشروع القانون المدني الذي أصبح تقنين نابليون كان ينص على أنه «يوجد قانون عالمي ثابت هو مصدر كل القوانين الوضعية، ليس هو العقل الطبيعي من حيث إنه يحكم كل شعوب الأرض»،.

Florence Gauthier، Triomphe et mort du droit naturel en Révolution 1789 - 1795 - 1802، Paris، PUF، Pratiques Théoriques.