النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٧٢172
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
جمهورية أفلاطون ينتقد المتكلمين لقولهم: إنه ليس في طبيعة الأشياء ما يميز الفعل الحسن من القبيح، أو العادل من الظالم سوى ما جاءت به الشريعة، على أساس أن الإنسان لا يملك إرادة منفصلة عن إرادة الله الذي خلق الإنسان وأفعاله. بينما يرى ابن رشد أن الله يعدل؛ لأن العدل يفيض من كماله لا لأنه يحقق كماله بالعدل. عدل الله بهذه الصورة يختلف عن عدل البشر، ويرى مجيد خدوري (ص (147) أن ابن رشد اختار عرض مفهومه عن العدل في صورة شرح لجمهورية أفلاطون، وأخلاق أرسطو. ولكن نظريته في العدل ليست صورة طبق الأصل للأفكار اليونانية. ورغم ذلك فقد كانت نظرته في هذين الشرحين عن العدل محل هجوم إذ رأى البعض أنها ليست سوي نشر لأفكار مستمدة من المصادر اليونانية الوثنية، بينما رأى صاحبها أنها توفيقية بين المصادر اليونانية التي تمثل (العقل)، والمصادر الإسلامية (التي تمثل الوحي).
كما يرى خدوري (ص (129) والذي نعترف بفضله الكبير في تحقيق مفهوم العدل في الإسلام أن التمييز بين الجوانب الكلامية (الدينية)، والجوانب الفلسفية لمسألة ما ليس واضحاً لدى أحد مثل وضوحه في نظرية ابن رشد في العدل. فقد بين بتمييزه بين العدل الإلهي والعدل الإنساني الذي يصل إليه المرء بالعقل هو عدل غير كامل، في حين أن العدل الإلهي الذي نعرفه عن طريق الوحي هو تعبير عن كمال الله. وهذان المستويان من العدل ليسا سوى المظهر المثالي والمظهر العملي لمفهوم العدل، ولكن ما هي نتائج اختلاف هذين المستويين. يرى مجيد خدوري (ص (129) أن ابن رشد يقول: إن العدل الإنساني غير كامل، وعليه فهو بالضرورة مختلف عن العدل الإلهي والحقيقة النهائية ليست واحدة ذلك أن معيار العدل في كل من المظهرين مستمد من مصدر مختلف تماماً. لكن يمكن التوفيق بين الاثنين كما أثبت ابن رشد بغض النظر عن إمكان وجود فرق بينهما».
ومن جانبنا لدينا شعور عميق أن نظرية ابن رشد في العدل هي المصدر التاريخي لنظرية
(1)
القديس توما الأكويني في القانون الطبيعي). وإذا كان القديس توما قد أصدر كتاباً ضد الرشدية، فإن ذلك لم يكن يتعلّق بنظرية ابن رشد في العدل. ومن جانبه يرى مجيد خدوري (ص 128) أن القديس توما الأكويني يبدو أنه قبل ضمناً بمذهب الحقيقة المزدوجة بالرغم من مخالفته بعض أفكار ابن رشد، وذلك بتمييزه بين الحقيقة التي نبلغها بالفلسفة والحقيقة التي نصل إليها عن طريق الدين. وأن على المرء أن يكون فيلسوفاً يعالج المسائل الفلسفية وعالماً دينياً؛ ليتناول
(1) كما سبق أن قلنا قسم القديس توما الأكويني القانون إلى درجات ثلاث بعضها فوق بعض فأعلاها هو (القانون الإلهي) أو القانون الأزلي الذي يحمل مشيئة الله وهي مسألة إيمان واعتقاد لا مسألة عقل واستدلال، فلا يدركه إلا الراسخون في الإيمان الذين أضاء الله بصيرتهم بنوره. ومن تحته القانون الطبيعي» الذي هو منتهى ما يدركه العقل من أصول القانون الإلهي. وأسفل من ذلك يوجد القانون الوضعي وهو ما يستخرج من قواعد القانون الطبيعي. انظر: حسن كيرة، ص 126.