النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٧٤

174

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الأخلاق لنيقوماخوس لأرسطو. ويرى خدوري أيضاً أن الفارابي تجاوز آراء أفلاطون وأرسطو، وقدم نظرية في العدل تقوم على أساس التوفيق بين العقل والدين، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بنظرياته في السياسة المدنية. في البداية يتفق الفارابي مع أفلاطون وأرسطو في أن أي نظام سياسي لا يمكن أن يستمر إلَّا إذا قام على الكمال والامتياز والعدل، ولكنه يتجاوزهما. فبينما كان أفلاطون وأرسطو يريان أن المجتمع الكامل لا يقوم إلَّا في المدينة يقرر الفارابي أن الإنسان يمكن أن يبلغ الكمال في ثلاثة أنماط من التجمعات السياسية المجتمع الكبير: مفترضاً دولة عالمية تتكون من المناطق المأهولة من الأرض. والمجتمع الوسط ويتكون من شعب واحد أو من أمة واحدة. والمجتمع الصغير ويقتصر على المدينة كما كان يراها فلاسفة اليونان.

وقد عرض الفارابي للمدينة الفاضلة باعتبارها الحدّ الأدنى من التجمع البشري لتحقيق الكمال الإنساني. ويكون ذلك عن طريق تحقيق العدل الذي يعتبر في نظر الفارابي اسمى الفضائل. ولا يتحقق ذلك إِلَّا من خلال حاكم يتمتع بحس العدل يمكنه من إدارة النظام العام وفق قواعد العدل المستمدة من الشريعة).

ويشير الفارابي إلى أن أحسن الحكام هو الذي يجمع بين صفات الفيلسوف وصفات النبي، وهو ما يشبه ما أطلق أفلاطون عليه في الجمهورية الملك - الفيلسوف.

تحقيق العدل عند الفارابي يظهر في عدة أمور (أولاً) توزيع الخيرات التي يشترك فيها سكان المدينة توزيعاً عادلاً بينهم جميعاً، ثُمَّ ثانياً بالمحافظة على ما تم توزيعه عليهم)، والخيرات التي تكوّن العدل هي الأمن والثروة والشرف والكرامة وكل الأشياء الأخرى التي يمكن أن يتشارك الناس فيها، لكلّ منهم قسط أو حصَّة بحسب استحقاقه، وكلّ زيادة أو نقصان في حصة الفرد جور. وكل زيادة فوق الحصة العادلة ظلم لأهل المدينة، ويجب أن تعاد الزيادة إلى الجهة التي تعود إليها (الفرد أو الشعب، وبعبارة أخرى، لكل حقه؛ لأن أي تعد على حقوق الآخرين من شأنه أن يؤدي إلى الظلم.

والعدل العقلي عند الفارابي مرتبط في نهاية الأمر بمصير الإنسان. ومن يفهم العدل في المدينة الفاضلة تحقق نفسه العدل الإلهي في الحياة الآخرة. فمن يعيشون في المدينة الفاضلة ويفهمون العدل ويقبلون به فإن نفوسهم سوف تعيش في سعادة أبدية في الحياة الآخرة، في مملكة الحق حيث يسود العدل الإلهي. ويرى خدوري أن الفارابي كان يرى العدل العقلي مثالاً أعلى يساوي العدل الإلهي. وكان يرى مثل أفلاطون أن هذا الشكل من العدل لا يمكن أن يوجد إلَّا في جمهورية

(1) الفارابي: المدينة الفاضلة، ص 99 - 104 والسياسة المدنية، ص 79 - 80، مشار إليه في خدوري، ص 110.

(2) المدينة الفاضلة، الفصل،29، خدوري، ص 111.