النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٧٥القانون الطبيعي وقواعد العدالة من المنظور الإسلامي
د. برهام محمد عطا الله
175
مثالية، مدينة الفارابي الفاضلة. والواقع أننا نرى هنا الفارابي متأثراً بأخلاق نيقوماخوس حيث فرق أرسطو بين نوعين من العدل العدل التوزيعي، والعدل التعويضي
ما
(1)
ويقول ماجد فخري في مساهمته تحت عنوان (فلسفة الفارابي الخلقية وصلتها بالأخلاق النيقوماخية)، إن الفارابي في عرضه لقضية العدل يعكس المذهب الأرسطوطاليسي: فهو يقسم العدل على غرار أرسطو في الكتاب الخامس من (الأخلاق) إلى ما يمت إلى قسمة الخيرات المشتركة التي لأهل المدينة على جميعهم، وهي العدالة التي يدعوها أرسطو (بالتوزيعية)، وإلى يمت إلى حفظهما أو إعادتها، ويدعوها أرسطو بالتصحيحية». أما الخيرات التي يشترك فيها أهل المدينة فهي السلامة والأموال والكرامة والمراتب، وقسمة هذه الخيرات تكون بحسب الاستئهال، فإذا نقصت عن ذلك أو زادت لم تكن عدلاً، بل باتت جوراً. وهدف العدالة التصحيحية هو إقرار العدالة أو حفظها من جهة، أو تصحيح الخارجين عليها من جهة ثانية. وهذا الخروج، كما يقول كلُّ من الفارابي وأرسطو، قد يكون بإرادة المرء كالهبة والبيع والقرض، وقد يكون بغير إرادته، كالسرقة والاغتصاب، وعندها تقضي العدالة إعادة المساوي لما خرج عن يد المرء من نوعه أو
غير نوعه بنسبة عادلة، فإذا زيد في مقدار ذلك أو نقص كان ذلك جوراً.
وقد انتبه الفارابي إلى معنى آخر من معاني العدالة عند أرسطو، هو المعنى الذي يرقى آخر الأمر إلى أفلاطون، والذي يعتبر أرسطو العدالة بحسبه مرادفة للفضيلة التامة؛ لأن صاحبها يستطيع تكلفها لا في نفسه وحسب، بل في علاقته مع جيرانه».
(3)
وهذه النظرة إلى العدل لدى الفارابي تبين صدق ما قاله د. حسن حنفي في الذكرى الألفية لوفاة الفارابي سنة 950 م، من أن الفارابي لم يكن فقط شارحاً لأرسطو، بل هو أيضاً «حكيم مثل أرسطو بعيد النظر ويكشف عن الحقائق، سواء اتفق مع أرسطو أم اختلف»، مكملاً ما نقص، ومستبعداً ما زاد محولاً أقواله إلى نظرية خالصة في العقل، وهو بحث اجتهادي، قد يخطئ وقد يصيب».
(1) يعرض القانونيون التفرقة بين العدل التوزيعي والعدل التعويضي كأهم مسألة في القانون الطبيعي وقواعد العدالة، ولكنهم يطلقون على العدل التعويضي (العدل التبادلي والعدل التوزيعي خاص بتوزيع الثروات والمزايا المعنوية وكل المزايا المتاحة على أفراد المجتمع، والمساواة التي تحكم العدل التوزيعي ليست هي المساواة الحسابية، ولكنها مساواة تناسبية أو جبرية. ويترتب على ذلك أن العدل التوزيعي يكون قد تحقق رغم وجود فروق بين الأفراد في المجتمع. واستمرار العدل التوزيعي في المستقبل يقتضي وجود ما يسمى العدل التبادلي أو التعويضي وهو العدل الذي يحكم العلاقات بين الناس سواء كانت هذه العلاقات إرادية كالعقد أو غير إرادية كالعمل غير المشروع. والخلاصة أن العدل التوزيعي يحكم توزيع الثروات والمزايا على المواطنين ويقوم على أساس مساواة نسبية لا حسابية، أما العدل التبادلي فإنه يحكم المعاملات والعلاقات بين أفراد المجتمع سواء كانت إرادية أو غير إرادية، ويقوم على أساس مساواة حسابية مطلقة». انظر: حسن كيره، ص 141 - 143. (2) في كتاب «أبو نصر الفارابي في الذكرى الألفية لوفاته 950 م، نشرت الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1403 - 1983 م،
ص 192 وما بعدها. (3) أبو نصر الفارابي، ص 67.