النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٧٦أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
176
3 - الرازي وعلمنة القانون الطبيعي عند غروسيوس ومدرسته
بظهور المدرسة الاسمية بجهود دانس سكوت وغليوم دوكام مع ظهور القرن الرابع عشر، والذي انتشر كالنار في الهشيم على أنقاض معركة خسرها منطق أرسطو، وخسرتها الكنيسة الكاثوليكية أمام السلطات الإمبراطورية وظهور بوادر حركة الإصلاح البروتستانتي. كان المسرح مهيأ لعلمنة فكرة القانون الطبيعي، وفصل الفكرة عن سلطان الرب. بدأت المعركة الفكرية بالدفاع عن الفلسفة الاسمية، والخلاف حول من يملك الأموال المكدسة في الكنائس والأديرة التي يسيطر عليها الفرنسيسكان). وقد أثرت المدرسة الاسمية في كثير من المفكرين الفرنسيسكان ابتداء من روجر بيكون، ومن جاؤوا بعده من مفكري النهضة الأوروبية.
وقد تمت علمنة فكرة القانون الطبيعي في القرنين السابع عشر والثامن عشر على يد مدرسة القانون الطبيعي، وقانون الشعوب Ecole du droit de la nature et des gens ابتداء من غروسيوس (1645 - 1583 Grotus وما تبعه من دراسات قدمها كبار أعضاء هذه المدرسة، وقد جرّد غروسيوس فكرة القانون الطبيعي من طابعها الديني، وتم ربط الفكرة بالعقل الإنساني. وعند كتاب هذه المدرسة أصبح القانون الطبيعي مُجرَّد «قواعد عقلية مستخرجة من طبيعة الأشياء. هو ذلك القانون الذي يفرضه ويستخلصه العقل القويم من طبيعة الإنسان مبيناً العدل من الظلم. وهو باعتباره وليد العقل ووليد الطبيعة، يكسب منها صفة الوحدة والثبات والخلود فلا يتغير بتغير المكان ولا بتغير الزمان والله نفسه لا يملك بذلك تغييره؛ لأنه ليس بالذي يغير المعقول أو
الطبيعي». سبعة قرون سابقة على غروسيوس ظهر الكندي والرازي صاحب الطب الروحاني. وكان أبو بكر الرازي (313 هـ/924 م) أكثر جرأة من الكندي الذي كان قد فتح الباب أمام المتفلسفين العرب للمعرفة العقلية. ولا شك أن الرازي قد دخل من باب الكندي ولكنه بالرغم «من إيمانه بالله» ومذهب الإله العادل ذهب إلى أن بلوغ الفضائل الإلهية لا تكون إلا بالعقل، ولم يعترف بالحاجة إلى الوحي، ويبدو في نظر خدوري أنه قد وضع كتاباً في النبوة صرح فيه بأن العقل أرفع رتبة من الوحي النبوي. ولهذا السبب شجبت آراء الرازي الأخلاقية، ولم تحظ بالتقدير الكبير سوى كتاباته في العلم والطب، وبالقول بأن العقل أرفع رتبة من الوحي الإلهي، فهو سبق غروسيوس في ما قاله بأن الله لا يستطيع تغيير القانون، وبالطبع يعتبر الرازي أحد أقطاب القانون الطبيعي من منظور إسلامي، ونفس الأمر يمكن أن ينطبق على الكندي فيلسوف العرب الأول.
(1) انظر هنا: مقدمة علم قواعد المعاملات النظرية المسماة بنظرية الحق، الإسكندرية، منشأة المعارف، 1967 م.
Simone Goyard-Fabre، Pufendorf et le droit naturel، PUF، Leviathan، Samuel Pufendorf (1632 - 1694) :pas? (2)
Paris