النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٧٧177
|
القانون الطبيعي وقواعد العدالة من المنظور الإسلامي
د. برهام محمد عطا الله
الكندي الذي ولد حوالى (185 هـ/ 801 م) عالج العدل على مستويين مستوى إلهي يتفق العقل فيه والوحي، ومستوي آخر من العدل الطبيعي ينتج عن العقل، وهو العدل العقلاني. ويرى مجيد خدوري أنَّ الكندي كفيلسوف كان يهمه في الدرجة الأولى العدل العقلاني، وكان يفصح عن نزعة طبيعية أرسطوطالية»، ويعتبر الكندي العدل في مقدمة الفضائل كالحكمة والشجاعة والاعتدال وغيرها؛ لا لأنه فضيلة نبيلة، بل لأنه والحكمة أنبل الفضائل والعدل يفضلها جميعاً. ويقرر الكندي أن العدل الذي هو نتاج العقل يعد دليلاً على «خلق الله»، فبفضل وجود ظهر العقل إلى الوجود، ومن خلال العقل أدركنا أننا خلقنا» (1).
الله
4 ـ ابن سينا ونظرية العقد الاجتماعي، وهل كان ملهماً لهوبز ولوك وروسو؟ نظرية العقد الاجتماعي في إطار فكرة القانون الطبيعي ظهرت في غضون القرنين السابع عشر والثامن عشر في مرحلة متأخرة من تطور الفكرة واصطباغها بعلمانية غروسيوس. وهناك ثلاثة مفكرين نشروا الفكرة، وإن اختلفت الأسس التي بنوا عليها نظرية العقد الاجتماعي، فهناك هوبز (1679/ 1588) ونظرته إلى الإنسان على أنه شرير إذا ترك إلى أنانيته. وهناك لوك (1704/ 1631) على العكس يرى الإنسان خيّراً بطبعه، وفي النهاية هناك روسو (1778/ 1712) الذي اقترنت باسمه نظرية العقد الاجتماعي حيث يقوم أفراد المجتمع بالتنازل عن بعض حقوقهم. بواسطة عقد اجتماعي لتنظيم المجتمع بطريقة تحقق العدل والأمان. وكانت فكرة العقد الاجتماعي مؤشراً لقيام الثورة الفرنسية، ورفع لواء القانون الطبيعي.
أين ابن سينا من هذا التطوّر؟ وهو الذي عاش ومات في بداية القرن الحادي عشر، وعلى وجه التحديد في (428 هـ/1037 م) في فترة لم يكن القديس توما الأكويني قد ولد بعد، وكانت أوروبا لم تعرف بعد كتابات فلاسفة الإسلام. ما الذي جعلنا نربط بين ابن سينا وهوبز ولوك وروسو؟ وهم مفكرون من رجال القرن 17 م تبنوا فكرة العقد الاجتماعي على أسس مختلفة السبب هو أن ابن سينا هو الوحيد الذي أشار إلى وجود عقد اجتماعي ضمني يربط أفراد الجماعة بما سماه «المدينة العادلة». وكان ذلك بطريقة صريحة بخلاف الفارابي الذي لم يشر إلى فكرة العقد الاجتماعي إلَّا بطريقة غير مباشرة. ويرى مجيد خدوري في أنه لم يسبق لأي فيلسوف مسلم قبل ابن سينا أن قال بوضوح إنه تم الاتفاق بصورة رسمية بين الحاكم وشعبه على قيام نظام سياسي على أساس عقد أصيل».
وقد اعتمد ابن سينا، في صياغة نظريته على التراث الإسلامي، وتراث الفلسفة اليونانية. ويرى خدوري أن مفهوم ابن سينا لاختيار الحاكم مستوحاه من سابقة الخليفة عمر بن الخطَّاب، وهي
(1) خدوري، ص 103.