النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٧٨178
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
قائمة على فكرة الكمال والامتياز لا على الشرعية. وكان هذا على عكس العدل السياسي السني السائد وقتئذ. كما أن مفهوم الشرعية القائم على مبدأي التعيين والكمال لدى ابن سينا يتفق مع مذهب الإمامة الشيعي، رغم أن ابن سينا كان والده سنياً بعكس الفارابي الذي نشأ في أسرة شيعية. فيبدو طبقاً لخدوري أن تأكيد ابن سينا مبدأي الكمال والتعيين يقوم على أساس عقلي
(1)
لا على أساس ديني ويصف ابن سينا في المدينة العادلة شكل العقد قائلاً: إنه يتكون من شروط محددة اتفق عليها مؤسسو المدينة لتحقيق معيار للعدل على الأطراف المعنية، وعلى أولئك الذين يفدون إليها لاحقاً أن يقبلوا بنظامها السياسي على أساس العقد الضمني. ووفق هذا النظام يمنح كل إنسان وظيفة ورتبة تتناسب مع مقدرته الطبيعية التي اكتسبها كعضو في المجتمع وتحدد وظيفة كل إنسان ورتبته وفق أهداف نظام المدينة السياسي. ويقرر أن ابن سينا يقول: إنَّ مدينة تقوم على مثل هذا العقد أن تسمى مدينة عادلة لا مدينة فاضلة وحسب. ويحدد ابن سينا العدل هدفاً لمدينة بشكل أوضح مِمَّا يبدو في المدينة الفاضلة مدينة الفارابي، وهو ما يؤكد مصلحة المواطنين المشتركة وأمنهم وحفظ النظام العام.
يجب
ويرى ابن سينا ضرورة تطبيق الشريعة بدقة للحفاظ على وحدة العائلة ويجب على الحاكم لدى تطبيق الشريعة معاملة جميع الناس على قدم المساواة، ومعاقبة جميع الذين يخالفون الشريعة، ويجب أن تتناسب العقوبات مع درجة انتهاك الشريعة والأخلاق. وعلى الحاكم اعتماده على عدل قائم على مبدأ الاعتدال، ويرى ابن سينا أن الهدف من مبدأي الاعتدال والوسط تمكين المواطنين من تنمية اسمي الفضائل الضرورية لتحقيق العدل وهذا النوع من العدل هو العدل بالمعنى العملي في رأي ابن سينا. وتتحقق السعادة النهائية إذا ما اجتمع العدل العملي والعدل النظري الذي يفترض أنه العدل الإلهي. ويقارن خدوري بين ابن سينا والفارابي والكندي، ويقرر أن مفهوم الفارابي عن العدل كان مفهوماً طوبائياً بينما مفهوم ابن سينا عملي تحدده المبادئ الدينية والأخلاقية الإسلامية، وينطوي على عناصر طبيعية تضعه على خطّ واحد مع العدل العقلاني لدى الكندي، والذي يحتاج إلى دراسة خاصة.
(3)
(1) خدوري، ص 116، هامش 34.
(2) خدوري، ص 113، ويشير إلى ابن سينا (كتاب الشفاء الإلهيات»، ص 2 تحقيق موسى ودنيا، وزايد القاهرة، 1380 هـ/1960 م،
ص 441.
(3) ابن سينا، كتاب الشفاء، ص 455 مشار إليه في خدوري، ص
117