النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٨

18

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

عندما قال الله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَةُ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ ليَنَفَقَهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122]، فوجود طائفة متشبعة بالشريعة الإسلامية، جامعة لوسائل الاجتهاد، بحيث تكون قادرة على الغوص في أعماق الشريعة، واستخراج الحلول منها، لوضعها بلسماً شافياً لكل علّة من العلل أمر لا بد منه.

ولا ريب أن الله تعالى أنزل القرآن الكريم كتاباً يشتمل على كل ما نحتاج إليه، لا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، هذا الكتاب العزيز، أنزله الله بلسان عربي مبين، وقد جاء النبي له ليخاطب هذه الأمة بهذا اللسان العربي، ومعنى ذلك أن العربية هي وعاء الشريعة، بل هي وعاء كلام الله تعالى، ولم تعد حكراً على العرب وحدهم، وإنما لغة هي عالمية، لغة الدين تربط بين فئات عباد الله المؤمنين، على اختلاف ألسنتهم، وعلى اختلاف ألوانهم، وعلى اختلاف أجناسهم، وعلى اختلاف أقطارهم. واللغة هي رباط كما أن الفكر رباط، ولا ريب أن اللغة هي الجسر الذي يعبر عليه الفكر، ولذلك نجد المستعمرين أينما نزلوا، وفي كل بلد حكموا يفرضون لغتهم على الناس؛ لتكون معبراً لأفكارهم إليهم، وإذا كان هذا الشأن في القضايا الدنيوية، وما يتصورونه من مصالح فيها، فكيف بأمر يجمع عباد الله تعالى. إن اللغة العربية كانت لغة قومية قبل أن ينزل بها القرآن أما بعد أن اختارها الله الله لأن تكون وعاء لكلامه الذي أنزله للهداية والإعجاز فإنها أصبحت لغة عالمية لغة يجب أن يحافظ عليها جميع المسلمين، وقد أدرك ذلك السلف، فلذلك كان العجم أبرّ بها من أبنائها، فهم الذين حرصوا على دراستها، وتفكيك رموزها، وحلّ مشكلاتها، واستخراج القواعد لها، وقد كان منهم الأئمة الكبار، منهم الزمخشري الأعجمي يفاخر بهذا عندما يقول في فاتحة كتابه المفصل: «الله أحمد، على أن جعلني من علماء العربية».

لا

ريب أن الحرص على دراسة العربية هو سبب الوصول إلى فهم الشريعة الإسلامية ومقاصدها؛ لأن ذلك هو الوسيلة إلى فهم الكتاب العزيز، وفهم السنة النبوية على صاحبها - أفضل الصلاة والسلام، ولربما تجدونني الآن متفاعلاً جداً مع هذا الأمر، وهذا يعود إلى تفاعلي مع حدث سمعت به بالأمس، عندما وصل إلينا أحد ضيوفنا الأعزاء، وهو شيخنا العلامة حسن الشافعي، بلغنا عنه أنه صار رئيساً لمجمع اللغة العربية بمصر، وهذا أمر يؤذن بخير كبير.

وريور

فإن اللغة العربية والشريعة الإسلامية توأمان لا يمكن فصل بعضها عن بعض، وقد فصل بين هذين الفنين ردحاً من الزمن، حتى كان لكل منهما {وِجْهَةً هُوَ. [البقرة: 148]، ولكن تعانق الشريعة واللغة العربية من جديد، وكون أحد العلماء البارزين، وهو شيخ أزهري معمم، على رأس مؤسسة تعنى باللغة العربية أمر يبشر بخير كبير.