النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٨٥

نظرية التدرّج في الأحكام الشرعية

أ. د. محمد كمال الدين إمام

185

المبحث الأول: التدرج ومفاهيمه

قلنا: إن التدرج في مجال الخطاب الإلهي لم يكن قاعدة عامة، فالقيم العليا جاء الخطاب فيها حاسماً من أول مرة، وما كان البلاغ فيه بحاجة إلى تمهيد النفوس حتى تستقبل، وترويض الحياة الاجتماعية حتى تتفاعل، كانت المرحلية من مزايا الخطاب، تحقيقاً لحكمة واحدة في التدرج والقطع على السواء.

1 - التدرج لغة:

للتدرج معان كثيرة في معاجم اللغة وقواميس العربية، أقربها إلى مجال بحثنا ما قاله «الراغب الأصفهاني» في «مفرداته»: سنستدرجهم معناه: نأخذهم درجة فدرجة، وذلك إدناؤهم من الشيء شيئاً فشيئاً، كالمراقى والمنازل في ارتقائها ونزولها».

فكأن «الراغب الأصفهاني» يشير إلى تهيئة نفسية واجتماعية للخروج بالقوم من حال إلى حال، وذلك معنى يصب في مدرك التدرج كما حاول فهمه والتعامل معه.

ومن المعاني القريبة من هذا المعنى ما جاء في معظم المعاجم العربية في مادة «درج»، فيقال درجه إلى كذا واستدرجه بمعنى أدناه منه على التدريج فتدرج، واستدرجه: رقاه درجة درجة، وأدناه على التدريج فتدرج هو كدرجه إلى كذا تدريجاً عوده إياه، والتدرج أخذ الشيء قليلاً قليلاً.

2 - التدرّج في الاصطلاح

ليس للتدرّج تعريف في فقه التراث؛ لأن القضية لم تُطرح، فقد كانت الشريعة هي قانون الفرد والجماعة، وظلت مطبقة حتى القرن الثالث عشر الهجري، ورغم ما في الواقع من مد وجزر، وتطبيق حسن وتطبيق يحتاج إلى تصويب، إلا أن الشريعة كانت هي مرجعية الأمة، وهي مصدر أحكامها في كل المجالات، وكانت مبادئ التيسير ورفع الحرج ومنع الضرر تؤدي وظيفتها في فقه التنزيل على الوقائع من خلال الحكام عند تخير الأحكام، وبواسطة منطوق حكم القاضي بعد تحقيق المناط، وفي إجابة المفتي على سؤال المستفتي، حيث تتعين النازلة في ظرفيتها المفردة لمعرفة مكانها في خريطة الأحكام المجردة.

وقد استطاعت المصادر الأصولية النقلية والعقلية تغطية كل المساحات، واستيعاب جميع المجالات، في ظل إيمان حاسم بأن حكم الله قائم في كل مسألة، وعلى المجتهد اكتشافه

وإعلانه وتحكيمه.