النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٨٦

186

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

إلا أن انسلاخ المجتمع عن شريعته في أكثر المجتمعات الإسلامية، وغياب النص عن حكم الواقع، أفرز وجوداً اجتماعياً أشبه بـ «أهل الفترة حيث يعز الفقيه المجتهد، ويندر العالم الورع،

وأصبحت العودة إلى الشريعة تستدعي منهجاً مغايراً في التفكير، وتدرجاً حذراً عند التطبيق. وأصبح التدرج في هذا السياق مصطلحاً يحتاج إلى نحت جديد وضبط محكم، خاصة وأن دعاة التطور والتجديد من أنصار فصل الدين عن الدولة انحرفوا بمفهوم التدرج ليكون إسقاطاً لآيات الأحكام، ونسخاً للتكاليف الشرعية، باعتبار أن القيم نسبية، وأن التكاليف ترتبط بالوسع؛ وهو ما يُعبّر عنه «طه إبراهيم» وهو من غُلاتهم - إخلاصاً منه لفكر أستاذه ـ «محمود محمد طه» زعيم الجمهوريين في السودان - يقول «طه إبراهيم»: «إن النسبية من أهم عناصر النظرية القرآنية للمعرفة البشرية، ولكن دعاة الصلاحية المؤبدة ظلوا يحجبون هذه المنطلقات العظيمة في الفكر القرآني فأضروا به، وأضروا بالعقل العربي المسلم».

-

إن آيات الاضطرار تعبّر أبلغ تعبير عن نسبية القيم والتكاليف، والاضطرار يأتي فقط إذا ظهر أن التكليف ليس في وسع المؤمن، ولهذا يجب دائماً عند بحث أي تشريع، يواجه توترات أو مشاكل أو عقبات في التطبيق أن نفحص التشريع أولاً للتيقن أنه في وسع المكلفين، فإذا ظهر أنه ليس في وسعهم … ، فإنه يجب إعلان سقوط التكليف وعدم إلزاميته، أما إذا ظهر أنه في وسع المكلفين فيجب الانتقال إلى البحث عما إذا كان تطبيقه يمكن أن يسبب حرجاً أو ضيقاً أو عنتاً أو معاناة قد تضطر الناس إلى عدم تنفيذه، فإذا ظهرت دلائل من الواقع على ذلك، فإن الواجب إعلان إباحة ما كان يحظره التكليف».

-

إن مفهوم نسبية القيم لا معياريتها وهو منهج غربي توسع فيه «ليفي بريل» - يجعل الأحكام - في مفهوم «طه إبراهيم» وشيعته - قيمة نسبية لأن الواقع - كما يقول - هو الذي يعكسها فيجعلها حلالاً أحياناً، ويجعلها حراماً أحياناً أخرى، وبذلك يسقط معيار صلاحية النص للتطبيق هو وروده

بسند ودلالة قطعية …

إن التدرج عند «طه إبراهيم» يكشف للناس أن التكاليف - أي الأحكام الشرعية - ليست مطلقة. وإلا لما جاز إباحة أمر في البداية ثم تحريمه في النهاية، فالأمر المطلق أو القيمة المطلقة لا تقبل التجزئة أو التبعيض أو التساهل أو التسامح.

وهذا مفهوم للتدرج ينسف الأحكام الشرعية من الأساس، ويعتبر الإطلاق الشرعي هو المطلق العقلي، وكأنه لم يأت تشريع ولم ينزل، خطاب، وأهل الثقافة العلمانية كلهم - بل ومعهم بعض دعاة التجديد الإسلامي - يأخذون بهذا المفهوم للتدرج.

إن التدرج عند الجادين من علماء الشريعة له أكثر من تعريف: