النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٨٨

188

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

3 - رأيي في التدرج

(أ) التدرج في الخطاب:

لم تضبط التعريفات السابقة مضمون التدرج من داخل بنية علم الأصول، ولا من داخل مفهوم التشريع الذي يشمل الأحكام القطعية والأحكام الاجتهادية، والرأي عندي، أن التدرج في عصر الوحي كان تدرجاً في الخطاب الإلهي، فهو تدرج في النزول بحسب علم الله المطلق بأحوال الإنسان والزمان والمكان. والتدرج في الخطاب انقطع زمانه؛ لأن رسولنا هو خاتم الأنبياء ورسالته هي آخر الشرائع، وهو خطاب قائم على الاصطفاء من الله لحمله البلاغ من الرسل، فيوجد بوجودهم وينتهي بانتهائهم.

(ب) التدرج في التشريع:

التشريع في الإسلام نوعان: عبادات ومعاملات وقابليته للتدرج تختلف باختلاف النوعين:

النوع الأول: العبادات والتدرج:

الأصل أن العبادات خطاب تكليف يحمله الفرد وهو من الواجبات التي لا تسقط إلا بالأداء،، في أدائها لا تقبل التدرج ولا تعرف التجزئة. ونحن في العبادات أمام احتمالين:

•

مجتمع إسلامي غافل عن أداء حقوق خالقه، والعبادات كلها لازمة وملزمة له، لا يتقيد الحكم التكليفي فيها إلا بالحكم الوضعي الذي يعني وجود الأسباب، وتوافر الشروط، وزوال

الموانع.

مجتمع غير إسلامي: لا يؤمن بالإسلام، فهو أمة الدعوة حيث يتدرج الداعية من الإعلام بالإسلام إلى الإلزام بالتشريع.

وهناك احتمال ثالث أشار إليه الإمام الغزالي» في «المنخول» تحت عنوان «إن الشريعة هل يجوز فتورها؟». قال: وقد أجمعوا على تجويز ذلك في شريعة من قبلنا، سوى «الكعبي»، بناء على وجوب الأصلح على الله، وهو ينازع في هذه القاعدة».

ويرى الغزالي أن هذا الفتور ليس في العقل ما يحيله في شريعتنا، والواقع فإن الفتور هو الغالب، إذ ألهمم إلى التراجع مسيرة ثم إذا فترت ارتفع التكليف.

والرأي عندي: أنه لا مكان للفترة» في الدين الخاتم؛ لأنه دائم، وضعف الهمم على التدريج لا يعني العودة إلى الأحكام قبل ورود الشرع، وإنما العودة بالتدريج إلى الأحكام التي جاء بها الشرع. ولا منطق لمن يقول بأنهم يكلفون الرجوع إلى محاسن العقول».