النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٨٩

نظرية التدرّج في الأحكام الشرعية

أ. د. محمد كمال الدين إمام

189

النوع الثاني: المعاملات والتدرج:

وهذا النوع من الأحكام منه ما يقبل التدرج كأحكام البيوع والعلاقات بين الدول، وكل ما يرتبط بيان إجماله إلى تفصيل يستدعيه تطور العلم، واكتشاف القوانين الاجتماعية والكونية. وما يستدعي تحقيق مناطه إلى واقع اجتماعي فيه من السيولة ما يجعل أحواله متغيرة، وصوره

متطورة.

ومنه ما لا يقبل التدرج من خلال طبيعته التي تتسم بالثبات والديمومة، فاستدعى منذ عصر خطاب الوحي بياناً تفصيلياً ليس للبشر فيه سلطة تنحية أحكامه، أو تأجيل أوامره، أو تعطيل نواهيه، إلا من خلال وسائل أصولية متضمنة في الخطاب الإلهي ذاته تفرضها قواعد الضرورة، عامة وخاصة، وما يتعلق بها من رخص، وآليات تحقيق المناط التي لا تعني تدرجاً في التطبيق، وإنما تحريراً للنزاع في تماثل الواقع المتعين مع عناصر الواقعة في الخطاب المجرد، فإذا تم التطابق بينهما أصبح تنزيل الحكم من التجريد إلى التحديد لا يقبل المماطلة أو التجاوز، ولا ينبغي فهم كل مرحلية في التطبيق بمعنى التدرج فصلاة الخوف تتم على مرحلتين وليس هذا تدرجاً، بل هو التنفيذ الصحيح للتكليف كما جاء به الأمر جل في علاه.

خلاصة القول: إننا نعني بالتدرج في التشريع ما يلي:

«سلطة ولي الأمر بعد عصر الرسول في التطبيق الجزئي لبعض أحكام المعاملات الشرعية في المجتمع الإسلامي بهدف الوصول إلى التطبيق الكامل».

وهذا يعني أن سلطة ولي الأمر في التطبيق الجزئي تنحصر في الإلزام به قضاء لا ديانة، ولا تمتد إلى الإعلام بأحكام الشريعة دعوة أو تعليماً أو تربية؛ لأن الدعوة إلى الإسلام من الواجبات التي لا تقبل التوقف، والتعليم والتربية كذلك؛ لأنهما من ضرورات صناعة المجتمع على عين الشريعة حتى نصل إلى التطبيق الكامل لأحكامها.

وهذا يعني أيضاً أن المراحل في الخطاب القرآني الذي نزل منسجماً ليست من التدرج في التشريع؛ بل هو تدرج في الخطاب يرتبط بعلم الله، وهو من أدلة مشروعية التدرج بعد عصر الرسول، فالمرحلية في الخطاب القرآني مشيئة إلهية، وسلطة ولي الأمر في التطبيق الجزئي للشريعة سياسة شرعية تقتضيها حراسة الدين وتفرضها سياسة الدنيا ولا تستوعب من الشريعة إلا بعض المعاملات وتظل العبادات وأحكام الزواج والطلاق، ومسائل الوصايا والميراث، بمنأى عن التدرج في أصوله النظرية وميادينه العملية.