النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٩٠

190

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

المبحث الثاني: التدرج المشروع

عندما ينتهي التدرج إلى إلغاء النصوص، ورفض الأحكام الجزئية باعتبارها جزءا من التاريخ وليست جزءًا من الخطاب الإلهي، لا يصبح التدرج مشروعاً بل ممنوعاً، ولا يكون تدرجاً بل نسخاً جاء في غير زمانه ومن غير أهله، وفي الطريق إلى التدرج المشروع سوف نبذل جهدنا لعرض عدد من الأطروحات:

أولاً: أطروحة الفراغ التشريعي

لعل محمد باقر الصدر أول من تحدث عن الفراغ التشريعي في سياق النظرة المتكاملة للمذهب الاقتصادي الإسلامي، وقد عرض للفكرة في أكثر من فصل في كتابه (اقتصادنا)، فهو يرى أن المذهب الاقتصادي في الإسلام يشتمل على جانبين:

أحدهما: قد ملئ من قِبَل الإسلام بصورة منجزة لا تقبل التغيير والتبديل.

والآخر: يشكل منطقة الفراغ من المذهب، ترك الإسلام مهمة ملئها إلى الدولة أو «ولي الأمر» يملأها وفقاً لمتطلبات الأهداف العامة للاقتصاد الإسلامي، ومقتضياتها في كل زمان.

ونحن حين نقول «منطقة فراغ» فإنها تعني ذلك بالنسبة إلى الشريعة الإسلامية ونصوصها التشريعية لا بالنسبة إلى الواقع التطبيقي للإسلام، الذي عاشته الأمة في عهد النبوة، فإن النبي الأعظم الله قد ملأ الفراغ بما تتطلبه أهداف الشريعة في المجال الإسلامي في ضوء الظروف التي كان المجتمع الإسلامي يعيشها، غير أنه صلى الله عليه وسلم حين قام بعملية ملء هذا الفراغ لم يملأه بوصفه نبياً مبلغاً للشريعة الإلهية الثابتة في كل زمان ومكان، ليكون هذا الملء الخاص من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الفراغ معبراً عن صيغ تشريعية ثابتة، وإنما ملأه بوصفه ولي الأمر المكلف من قبل الشريعة بملء منطقة الفراغ وفقاً للظرف … والفكرة السياسية لمنطقة الفراغ، هذه تقوم على أساس أن الإسلام لا يقدم مبادئه التشريعية للحياة الاقتصادية بوصفها علاجاً موقوتاً، أو تنظيماً مرحلياً يجتازه التاريخ بعد فترة من الزمن إلى شكل آخر من أشكال التنظيم، وإنما يقدمها باعتبارها الصورة النظرية الصالحة لجميع العصور، فكان لا بد لإعطاء الصورة هذا العموم والاستيعاب أن ينعكس تطور العصور فيها، ضمن عنصر متحرك، يمد الصورة بالقدرة على التكيف وفقاً لظروف مختلفة.

وهناك نوعان من العلاقات

علاقة الإنسان بالطبيعة، وسيطرته عليها.

وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان.