النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٩١نظرية التدرّج في الأحكام الشرعية
أ. د. محمد كمال الدين إمام
191 |
التي تنعكس في الحقوق والامتيازات التي يحصل عليها هذا أو ذاك، والفارق بين هذين النوعين من العلاقات: أن الإنسان يمارس النوع الأول من العلاقات، سواء كان يعيش في جماعة أم كان منفصلاً عنها، فهو يشتبك على أي حال مع الطبيعة في علاقات معينة يحددها مستوى معرفته
وخبرته.
وأما علاقة الإنسان بالإنسان التي تحددها الحقوق والامتيازات والواجبات، فهي بطبيعتها تتوقف على وجود الإنسان في جماعة، وما لم يكن كذلك، لا يقدم على جعل حقوق له أو
واجبات عليه.
-
والإسلام - كما يتصوره «باقر الصدر» - يميز بين هذين النوعين من العلاقات، فهو يرى أن علاقات الإنسان بالطبيعة أو الثروة، تتطور عبر الزمن، تبعاً للمشاكل المتجددة التي يواجهها الإنسان باستمرار وتتابع، خلال ممارسته للطبيعة والحلول المتنوعة التي يتغلب بها على تلك
المشاكل، وكلما تطورت علاقاتها بالطبيعة ازداد سيطرة عليها، وقوة في وسائله وأساليبه.
أما علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، فهي ليست متطورة بطبيعتها؛ لأنها تعالج مشاكل ثابتة جوهرياً، مهما اختلف إطارها ومظهرها، ولأجل ذلك يرى الإسلام أن الصورة التشريعية التي ينظم بها تلك العلاقات وفقاً لتصوراته للعدالة قابلة للبقاء والثبات من الناحية النظرية؛ لأنها تعالج مشاكل ثابتة، ومن الطبيعي - على هذا الأساس - أن يقدم الإسلام مبادئه النظرية والتشريعية، بوصفها قادرة على تنظيم علاقات الإنسان بالإنسان في عصور مختلفة».
ولا تدل منطقة الفراغ على نقص في الصورة التشريعية أو إهمال من الشريعة لبعض الوقائع والأحداث، بل تعبر عن استيعاب الصورة، وقدرة الشريعة على مواكبة العصور المختلفة؛ لأن الشريعة لم تترك منطقة الفراغ بالشكل الذي يعني نقصاً أو إهمالاً، وإنما حددت للمنطقة أحكامها بمنح كل حادثة صفتها التشريعية الأصيلة، مع إعطاء ولي الأمر صلاحية منحها صفة تشريعية ثانوية، بحسب الظروف، فإحياء الفرد للأرض مثلاً عملية مباحة تشريعياً بطبيعتها، ولولي الأمر حق المنع عن ممارستها، وفقاً لمقتضيات الظروف.
والدليل على إعطاء ولي الأمر صلاحيات كهذه، لملء منطقة الفراغ هو النص القرآني: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59].
وحدود منطقة الفراغ التي تتسع لها صلاحيات ولي الأمر، تضم في ضوء هذا النص الكريم كل فعل مباح تشريعياً بطبيعته كأي نشاط وعمل لم يرد نص تشريعي بحرمته أو وجوبه … يسمح لولي الأمر بإعطائه صفة ثانوية بالمنع عنه أو الأمر به، فإذا منع الإمام عن فعل مباح بطبيعته أصبح حراماً، وإذا أمر به أصبح واجباً، وأما الأفعال التي ثبت تحريمها بشكل عام، كالربا مثلاً،