النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٩٣

193

|

نظرية التدرّج في الأحكام الشرعية

أ. د. محمد كمال الدين إمام

إليه»، إذ للفقيه ألا يقتصر فيه على خصوص مورد الحرمة، بل يشمل جميع الأحكام، فالواجب كذلك، والمباح بالمعنى الأعم يمكن أن يحرم أو يجب إذا حصلت الضرورة للفعل أو المنع.

وهذا لا يختص بآحاد المكلفين، بل يشمل المجتمع، ويشمل الأمة إذا دعت حاجتها وضرورتها ذلك، بل شموله للمجتمع والأمة من باب أَوْلى، ويمكن الاستدلال عليه بما ورد في شأن حفظ بيضة الإسلام، فالتحقيق إذاً أنه لا توجد منطقة فراغ تشريعي بالمعنى الذي ذكرناه سواء في ذلك على مبنى المخطئة، أو على مبنى الأشاعرة في التصويب».

والرأي عندي: أن منطقة الفراغ التشريعي بين القبول والرفض هي في مجال التغير وتحكمها قاعدة تغير الأحكام بتغير الأحوال والزمان والمكان والإنسان، وليست في مجال التدرج الذي يفترض منظومة أو حزمة ثابتة من الأحكام غابت عن التطبيق لأسباب اجتماعية وسياسية وفكرية، ويراد العودة إليها، هل يتم التطبيق الجديد كلياً أم جزئياً؟ هذا هو السؤال.

صحيح أن تدرج الإنسان في الأفكار والنظم والمنظومات يقتضي - حيث لا يوجد نص - تدخل أدلة التشريع العليا، وهي فوق أدلته المباشرة من المبادئ والقواعد العامة، وأدلة الأحكام الكلية التي هي مدار نظر واستنباط الفقيه في مجال اجتهاده المعروف وأدلة التشريع العليا هي من قبيل: آيات التسخير الأمر بالعدل والإحسان والنهي عن الفحشاء آيات النهي عن الإسراف والتقتير، شرط القدرة في التكليف، آيات النهي عن الغلو والفساد في الأرض، آيات النهي عن تغيير خلق الله.

لكن هذا التدرج يصنع حكماً ثانوياً جديداً ينطلق من قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة، ولا يمثل عودة لحكم كان قائماً وغالباً، وهو التدرج المشروع بالمعنى الذي نريده.

ثانياً: أطروحة عودة السلطة التشريعية إلى الأمة:

وهي فكرة صاغها الباحث السوري محمود اللبابيدي تعبيراً عما يراه من صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، وخلاصتها أنه يجوز للأمة أن تنسخ نصوص هذه الشريعة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو يبرر هذا الرأي المخالف لإجماع الأمة بقوله: «إن الأصل في التشريع المدني والمعاملات أن يكون للأمة؛ لأنه يرجع إلى تأمين مصالح الأفراد ودرء المفاسد عنهم، والأمة أدرى بهذه المصالح والمفاسد كما قال عليه الصلاة والسلام: «أنتم أعلم بشؤون دنياكم»، ومن هذه المبادئ الصالحة إعادة السلطة التشريعية إلى الأمة بقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]؛ لأن هذه الإعادة هي النتيجة الحتمية لانقطاع الوحي بوفاته، وحتى لو لم تكن هذه الآية منزلة على رسول الله، لكان علينا أن نقرر عودة السلطة التشريعية إلى الأمة، إما استنباطاً

منا الله