النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٩٥

نظرية التدرّج في الأحكام الشرعية

أ. د. محمد كمال الدين إمام

195

لمسألة عارضة، في حين أن نسخ القرآن بالقرآن يرفع النص الأول تماماً، ويحل محله المتأخر إطلاقاً» ..

أما نظرية التدرج عند محمد محمود طه فهي العودة إلى مصطلحات مطاطة كالعدل والمساواة، باعتبارها هي الخالدة فحسب، لرفض كل الأحكام التفصيلية في العبادات والمعاملات، فالصلاة عنده ليست هي الصلاة التي نعرفها وكذلك الزكاة والصوم، أما المعاملات فالأصل فيها أن تنسلخ عن كل تفصيل جاءت به الآيات المدنية التي هي تشريع لأهل ذلك الزمان البعيد. وهو ما ينتهي إليه أيضاً الله عبد النعيم في كتابه الأخير (الإسلام وعلمانية الدولة) حيث يقول: «إن الإسلام أوسع بكثير من الشريعة، برغم أن معرفة الإسلام والالتزام بالشريعة هما الطريق لإدراك الإسلام كمبدأ توحيدي في الحياة اليومية للمسلمين … وأن أي مفهوم للشريعة هو دوماً بالضرورة مستقى من التفسير البشري للقرآن والسُّنَّة، ويعكس أكثر ما يعكس قصور فهم البشر وسعيهم المستمر للالتزام بتعاليم الدين ضمن قدراتهم الاستيعابية المحدودة بسياقاتهم التاريخية المعينة. من الواضح بالنسبة لي كمسلم أنه ليس بإمكان أي مفهوم للشريعة أن يكون مطلق الكمال، أو أن يكون تمثيلاً أبدياً للوصايا الإلهية». وليس هذا إلا تعبيراً لحكم الوقت الذي أقام طه محمود طه عليه بناءه الرافض لأحكام الشريعة التفصيلية؛ لأن شريعة السلف كما قال - إنما هي مرحلية، وليس الكلمة الأخيرة التي يريدها الدين وكل الأحكام التفصيلية لها وقت حتى العبادات؛ فالصلاة الشرعية في مرحلة الإيمان فرض له أوقات يؤدى فيها، وله وقت يرتفع فيه حينما يصل الإنسان إلى مرتبة الإيقان. حيث يرتفع الأفراد من الشريعة الجماعية إلى الشريعة الفردية. وهو ذات التوجه الذي يعكسه فكر طه إبراهيم في نظرية الوسع التي حاول بسطها في أكثر من كتاب.

ومكمن الخطأ والخطر فيما يقوله طه محمود طه أنه شريعة جديدة وصل إليها بالتفكير المحض، الذي أخلى من مسالكه كل أحكام الشريعة، وكل قواعد القرآن في الفهم والتفسير والتأويل، ليقدم لنا مفاهيمه الذاتية باعتبارها إسلاماً ينبغي أن ندين الله به، وفهماً نهائياً لشريعة الإسلام. في محاولة منه لإيجاد «ميتافيزيقا» فكرية هي من شطحات الفكر، وغلو العداء لأحكام الإسلام، فهل من دليل واحد عنده على أن الآيات المكية هي الأصل والآيات المدنية هي الفرع؟ وهل من دليل واحد عنده أو عند شيعته على أن النسخ يبقى بعد عصر الرسول؟ وهل من دليل واحد عنده أو عند شيعته على أن الإنسان هو الذي يصنع جميع الأحكام بحسب

مصالحه وهواه؟

أسئلة كثيرة يفرضها العقل المسلم بل العقل السليم وليس لها من إجابات في منظومة التدرج الممنوع عند محمود طه أو غيره.