النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٩٨

198

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

(2).

والتماس مآلات النص وسياقاته). وقد استُعير المفرد أو المصطلح هنا بمعنى المسوّغ أو العُذر أو المطلب الذي يكون مشروعاً أو فيه شبهة الشرعية. وما كان ابن الهمام دقيقاً في قوله: إنهم «خالفوا المسلمين في بعض الأحكام»؛ فهم في الغالب ما خرجوا لسبب ديني بل لسبب مالي أو إداري أو سياسي - وعلى السلطة السياسية، وليس على جماعة المسلمين إلّا إذا كان التقدير أنّ إمام أهل العدل الذي جرى الخروج عليه، يمثل جماعة المسلمين. ويعني الشرط الرابع، أي العسكر والمَنَعة والانفراد ببلدة من البلاد انفصالهم الإداري أو السياسي والعسكري، مما يُبيحُ جَمْعَ العسكر لهم واحتمال قتالهم إن لجأوا للعنف، بعد التوجه إليهم بالنصيحة. أما إذا اكتفوا - قليلين أو كثيرين - برفع الصوت بالمطالب، والتجمهر من أجل ذلك دونما منع حقٌّ، أو الخروج من المصر؛ فإنّ الفقهاء لا يعتبرون أنفُسَهُم معنيين بمعالجة شأنهم، باعتبارهم معارضين عاديين (وهذا حقهم)، وما قتلوا نفساً، ولا أتلفوا مالاً، ولا انفردوا بعسكر ولا موضع أو بلدة؛ فخرجوا بذلك عن الطاعة والجماعة أو هدَّدوا السلطة والأمة بالانشقاق).

إن المستند في مسألة البغي أو واقعتها، آيات قرآنية في موطنين: أ - {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَنَهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِى حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الحجرات: 9 - 10].

وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْتَهُم يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغَى هُمْ ينتَصِرُونَ * وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَبِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَيْك لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة الشورى: 38 - 42].

إنّ القراءة المتفحصة للآيات في السورتين تُظهرنا على نوع من الافتراق بينها من جهة، وبين تعريفات الفقهاء لجريمة البغي أو الجريمة السياسية. فالآيات تفترض إمكان حصول اقتتال بين جماعتين من المؤمنين»، وتكون إحداهما ظالمة والأُخرى مظلومة أو مبغي عليها، ويكون على المؤمنين أو سلطتهم الاتجاه للإصلاح بين الطرفين باعتبار إيمانهما وأنّ دعواهما واحدة، فإن أبى

(1) قارن بجمال الدين القاسمي: محاسن التأويل، نشرة 1341 هـ، م 116/ 1 - 118 وانظر عباس أمير: المعنى القرآني بين والتأويل، بيروت: دار الانتشار العربي، 2008،

التفسير

ص

105 - 87

(2) قارن بمغني المحتاج، 123/ 4. وانظر خالد الجميلي: أحكام البغاة والمحاربين بغداد 1977، م 103/ 1 - 108. (3) يحبُّ الأحناف هذا التعبير من دون الآخرين؛ قارن بالهداية للمرغيناني، 409/ 4. وتحفة الترك، مصدر سابق، ص 130 - 132. (4) الطرسوسي تحفة، الترك، مصدر سابق، ص 133: «إنّ الذين قالوا قد نزل بنا الظلم وخرجنا لإزالته ليسوا بغاة .. ». وقارن بشرح النيل، 425/ 7. والمحلى لابن حزم، 443/ 9.