النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٩٩نظرية البغي ومفاهيم البغاة والسياسة الشرعية
قراءة ومراجعة د. رضوان السيد
199
أحد الطرفين ذلك يكون باغياً، ولا بد من ردّه عن بغيه ولو بالقتال لينتهي الأمر أخيراً بالإصلاح بين هاتين الفئتين المسلمتين باعتبار وحدة الدين والدعوة والانتماء وفي آية الشورى اتجاة أوضح لاستنكار الظلم، وطلب الإنكار على الظالم وأنّ الله سبحانه مع المظلوم.
والفقهاء يتحدثون عن البغاة في افتراق عن الآيات في ثلاث مسائل؛ أولاها: اعتبار مسألة البغي محصورةً بين السلطة والمعارضة، بينما هي في الآيات شاملة، وتحدث بين فئتين أو أكثر من المؤمنين. وإذا كان الأمر كذلك؛ فإنّ السلطة تكون طرفاً مثل المعارضة، ويجري الاحتكام إلى فئة ثالثة أتصور أنها السلطة القضائية. وثانيتها: أنّ التأويل السائغ أو ذا الشُّبهة لدى الفقهاء، والذي قد يدفع للثورة أحد ثلاثة أمور: الظلم الحاصل من السلطة، أو المطلب العام أو الخاص من المعارضين، أو الانحراف في مسألة دينية والمخالفة في حكم من الأحكام. والواضح من الآيات القرآنية أنّ الخلاف الذي يؤدّي للاقتتال ناجم عن الظلم أو عن البغي في مسائل غير دينية. وذلك لأنه يُسمّي المقتتلين أو المتغالبين مؤمنين. ولذا فما كان ينبغي إدخال الاختلاف الديني ضمن البغي، بل الإحالة فيه على الاجتهاد، وليس على السلطة السياسية التي ليس لها أن تنصر تأويلاً على تأويل. ومن هذه الزاوية جرى خطأً إِخْراجُ مَنْ عُرفوا باسم الخوارج من المحكمة - من مسائل البغاة وأحكامهم، وضمّهم إلى أهل الانشقاق الديني، والوصول بهم أحياناً إلى الكفر أو التكفير المتبادل). وقد كان شأن المُغالبين وغير المغالبين منهم واضحاً وهو شأن سياسي، وقد تعلق بمسائل محددة في البداية، ثم صار اعتراضاً على النهج العام، وفي كلتا الحالتين كان الأمر سياسياً وله علاقة بمفاهيم العدل والظلم وليس بمفاهيم الإيمان والكفر، والتي مال بعض الفقهاء المتقدمين وأكثر المتأخرين إلى النظر إلى حركات المعارضة الاحتجاجية هذه في نطاقها. وثالث تلك المسائل: ربط بعض الفقهاء في تعاريفهم للبغاة البغْيَ بالفتنة أي بالحرب الأهلية في الحال
أو المآل). والآيات القرآنية لا تتحدث عن الفتنة في معرض البغي بل في معارض أُخرى. أما في آيات البغي فالحديث عن الظلم والعدل، وعن النُّصرة والعفو والإصلاح، وهي أمور لا معنى لذكر الفتنة في سياقاتها. بل هي اتهامات جرى استخدامها من جانب السلطات والفقهاء أو بعضهم الناس عن المطالبة بحقهم سِلْماً أو دفع مظلمةٍ ما أمكن تجاوزها إلّا بالاعتراض الحاسم. الفقهاء المسلمين عن المقاربة القرآنية لمسألة المعارضة السياسية حجابُ التاريخ،
لقد
حجب
وحجاب الخوف من العنف والفتنة، وحجابُ الخوف من الانشقاق الديني.
لكفّ
(1) يذهب عدة فقهاء إلى أنّ المشكلة بين عليّ ومعارضيه كانت دينيةً (شرح فتح القدير (408/ 4)، بينما يذهب ابن عابدين من متأخري الحنفية إلى أنّ التأويل من جانب المحكّمة كان اجتهاداً؛ قارن بحاشية رد المحتار له، 262/ 4.
(2)
جمع خالد الجميلي في أحكام البغاة والمحاربين مرجع سابق، م 1، 60 - 66 آثاراً وأقوالًا للفقهاء في ربط الخروج بالفتنة. وانظر انتقاداً لهذه الرؤية في عبد الملك منصور حسن البغي السياسي دراسة للنزاع السياسي الداخلي المسلّح من منظور إسلامي، صنعاء 2005، ص 15 - 25.