النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٠١

201

|

نظرية البغي ومفاهيم البغاة والسياسة الشرعية

قراءة ومراجعة د. رضوان السيد

وهو

الله

ولا هاجم الحرورية الكوفة، وإنما نشب القتال - كما قيل - بسبب قتل الحرورية لعبد بن حباب (الذي تقول المصادر الفقهية السنية والشيعية إنّ عليا نصبه والياً عليهم، ولا تعرف ذلك المصادر التاريخية)، ووصل الأمر إلى حدود الإبادة لهذه الفئة المعارضة، دونما استخدام ظاهر مسبق للسلاح من جانبها. وقد سبق القول: إنّ الفقهاء تعاملوا مع هؤلاء باعتبارهم خارجين عن الدين - لم يتهمهم عليّ به - وبذلك عللوا سلوك عليَّ تُجاهَهُم بخلاف ما سلك تجاه أهل البصرة! وفي الخلاصة: فإنّ الفقهاء ذهبوا إلى أنه حتّى إذا تجمع المُعارضون وانفردوا؛ فإنه لا يجوزُ بدؤهم بالقتال). حتى إذا هاجموا المدن أو الجند الذين يقفون في مواجهتهم، فإنّ قتالهم واجب، لكنه يختلف عن قتال المشركين والكفّار في الأسلوب (في استخدام الوسائل القتالية)، وفي النتائج (عدم السبي، عدم مصادرة الممتلكات العفو عن الارتكابات أثناء القتال، عدم الأسر، إجراء المصالحات واستعادة الوحدة مع الطاعة بمجرد إلقاء السلاح) (2).

ثالثاً:

(1)

ا: الفقهاء والفتنة وأخلاق الطاعة

في

المصنف لعبد الرزاق الصنعاني) - 211 هـ) أنّ سليمان بن هشام بن عبد الملك، سأل محمد بن شهاب الزهري عن طرائق التعامل مع الثائرين بعد إخضاعهم فقال: «هاجت الفتنةُ وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون، فأجمعوا على أنْ لا يُقادَ أحدٌ، ولا يؤخذ مال استهلك على تأويل القرآن إلّا ما وُجد بعينه … » (3). لقد تركت الفتنةُ الأُولى (أي الأحداث التي بدأت بقتل عثمان عام 35 هـ، واستمرت في أحداث عهد عليّ لحين مقتله عام (40 هـ) آثاراً عميقةً في وعي المسلمين ومشاعرهم. ولا أدل على ذلك من الآثار الكثيرة المروية عن الفتنة وأهوالها وأنها إذا أقبلت شبهت، وإذا أدبرت بينت). وتذكر المصادر التاريخية أنّ جماعةً من الصحابة توقفوا في بيعة عليّ بعد مقتل عثمان، ثم توقفوا ـ مع بعض التابعين الذين سُمُّوا بالقراء - عن المشاركة في القتال مع عليّ أو مُعاوية. وقد تطور الإدراك لهذا

(1) قال الشافعي (= الأم 217/ 3): ولو أنّ قوماً أظهروا رأي الخوارج وتجنبوا جماعات الناس وكفّروهم لم يحلّ بذلك قتالهم؛ لأنهم على حرمة الإيمان لم يصيروا إلى الحال التي أمر الله بل بقتالهم فيها».

(2) ذكر الماوردي في الأحكام السلطانية، مرجع سابق، ص 187 - 190، ثمانية فروق بين قتال البغاة وقتال أهل الحرب، أسباباً ونتائج. (3) عبد الرزاق الصنعاني المصنف، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، بيروت: المكتب الإسلامي، 1973، م 8، 223 - 224. وذكر القول الشوكاني في نيل الأوطار 191/ 7، وقال: ذكره أحمد في رواية الأثرم عنه، وأخرجه البيهقي.

(4) قارن برضوان السيد: الفتنة وأخواتها في النص والوعي والتاريخ؛ بمجلة التسامح العُمانية، عدد 21، شتاء العام 2008، ص 210 - 226.

(5) قارن بنُعيم بن حماد: الفتن والملاحم نشر دار الفكر ببيروت، 1999. ص 116 - 137. وتاريخ الطبري، مصدر سابق، م 4،

207 - 205