النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٠٨208
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
قصد ماله لأخذه؛ فهو باغ إن نزعه أو أراد ذلك، أو أنه حال بين مالك المال وبينه، أو أي وجه آخر من منع ذلك المال كحق أو قصد إفساده - أي المال - قالوا: ولو بتنفير دابته أو طرد رقيقه.
إن مفهوم البغي والباغي الذي توصلنا إليه - من خلال ما تقدم - مفهوم شامل مقارنة بتحديده عند مدارس فقهية أخرى التي مالت ـ في تقديري - إلى النظر إلى هذا المفهوم من زاوية الخارج طاعة الإمام فقط، في وقفت عليه من بيان لهذا المفهوم)، والله أعلم. وهناك جانب آخر في بحث مفهوم البغي عند غير الإباضية هو الربط بين البغي ومصطلح الخوارج، ومع
عن
(1)
في هذا
(1) فالتعريفات التي وقفت عليها عند بعض المدارس الفقهية هي على النحو الآتي: فالبغاة عند الحنفية: «كل فرقة لهم منعة، يتغلبون ويجتمعون، ويقاتلون أهل العدل بتأويل، ويقولون: الحق معنا، ويدعون الولاية». ر: الفتاوى الهندية، 283/ 2. والبغي عند المالكية: «الامتناع من طاعة من ثبتت إمامته في غير معصية بمغالبة ولو تأولاً: مواهب الجليل، 366/ 8. والبغاة عند الشافعية: «الخارجون عن الطاعة لإمام أهل العدل، ولو جائراً، بامتناعهم من أداء حق توجه عليهم، بتأويل فاسد لا يقطع بفساده». ر: أسنى المطالب.111/ 4 والبغاة عند الحنابلة: «قوم من أهل الحق، يخرجون عن قبضة الإمام، ويرومون خلعه لتأويل سائغ، وفيهم منعة يحتاج في كفهم إلى جمع الجيش. ر: المغني 5/ 9 والبغاة عند الظاهرية: على قول ابن حزم: «فرقة خرجت على الإمام بتأويل مخطئ في الدين، أو أنهم خرجوا لطلب دنيا». ر: المحلي، 334/ 11. والحقيقة أنني في هذا العرض لست في مقام دقة تحليل هذه التعريفات، أو استيعاب بيان وجه النقد إلى اختلافاتها، ولكن قصورها واضح في بيان حقيقة البغي الذي جاء به القرآن، وكذلك تأثرها بالتوجه السياسي لقبول طغاة بني أمية وإلباسهم لباس الخلفاء، بل إن بعض التعريفات عنيت بتحقق صفات لا بد تحققها في صفة البغي - بحسب رأي المعرف - كالمغالبة والمنعة، وبناء عليه اختلفوا في ما دون ذلك هل يسمون بغاة مع أن أعمالهم تشبه البغاة. وهذه بعض إشكالات تتجلى في هذه التعريفات وغيرها يتسع المقام بالوقوف عليها. (2) المتتبع لذلك في المصادر الفقهية، وكذلك الدراسات المقارنة يجد تقسيم الخارجين عن سلطة ولي الأمر ـ عند هذه المذاهب ـ إلى أقسام ثلاثة:
لا
1 - قطاع الطريق (المحاربون): وهؤلاء مفسدون في الأرض يأخذون أموال الناس ويقتلونهم ويخيفون الطريق، امتنعوا عن طاعة الإمام، وخرجوا عن قبضته بغير تأويل.
2 - البغاة: وهم قوم يتصفون بالمنعة والشوكة خرجوا على الإمام ممتنعين عن طاعته طالبين خلعه، لتأويل سائغ. واختلفوا في العدد القليل الذين لا منعة لهم، كالواحد والاثنين والعشرة ونحوهم، ويكون لهم تأويل؛ فذهب الحنفية والشافعية وأكثر الحنابلة: أنهم قطاع طريق وذهب المالكية وبعض الحنابلة: أنهم في حكم البغاة.
ويعلق الباحث سامي بن خالد الحمود مرجحاً قول الجمهور؛ وعلته أن إثبات حكم البغاة للعدد اليسير، ومن ثم سقوط ضمان ما أتلفوه، يفضي إلى فتح باب الفتن، وإتلاف أموال الناس بدعوى التأويل. وفي تقديري هذا أمر حله الإباضية في كتبهم، فالضمان مبني على التدين فمن وقع بالبغي على وجه الانتهاك وجب عليه الضمان، وإن كان ديانة فلا ضمان.
3 - الخوارج وحدهم عندهم بالخارجين على ولي الأمر، مكفرين من خالفهم، ويكفرون مرتكب الكبيرة، ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم إلا من خرج معهم. وفي تقديري: قد يكون هذا لا إشكال فيه لو حمل على مثل الخوارج الأزارقة مثلاً لكونهم وقعوا في ذلك، لكن إن علمنا أنهم أدخلوا أهل النهروان وأصحابنا في هذا الحكم علمنا أن ذلك حكم لدهاليز السياسة والتعصب المذهبي أثر فيه. لمعرفة مزيد بيان ذلك انظر: سامي بن خالد الحمود الأعمال الفدائية: صورها وأحكامها الفقهية، ص.354. وكذلك انظر: فتح القدير، 99/ 6 مواهب الجليل، 314/ 6. مغني المحتاج، 401/ 5. المغني، 3/ 9. حاشية ابن عابدين 261/ 4 مغني المحتاج، 399/ 5.