النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢١١

ملامح فقه البغي عند الإباضية بين التنظير والتطبيق

د. أحمد بن يحيى بن

أحمد الكندي

211

ترجع إلى أمر الله تعالى إلى الصلح الذي أمر به فَإِن فَاءَتْ) يعني رجعت إلى الصلح، فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا} [الأعراف: 33] يعني: أعدلوا. ويستشهد البسيوي بآية أخرى أيضاً في ذلك ويقول: حرَّم الله قطع السبيل والفساد في الأرض والبغي، وذلك كبير من الذنوب، وجعل معه التوبة؛ فالتوبة لِكُلٍّ تائب والعقوبة لِكُلِّ مصر ولا فرق بين ذلك. وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الحجرات: 19، وفي موضع آخر يشير إلى حكم آية البغي فقد حرَّم الله البغي وأمر بقتال الفئة الباغية حَتَّى تفيء إلى أمر الله» (2). ولجهاد البغاة فضل عظيم؛ إذ إن مجاهدهم ومقاتلهم ومدافعهم يُؤْجَرُ كَثِيراً إِنْ لَمْ يَكُنْ تَلَفٌ

بِهَدْمِ أَوْ حَرْقٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ عَطَشٍ أَوْ جُوعٍ أَوْ حَرِّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ أَوْ بِجُرْحِهِ لِنَفْسِهِ». ولا ريب أنه مع عموم مفهوم البغي سيكون حكم قتال الباغي ودفعه وفق نوع بغيه؛ وقد فرق العلماء بين البغي في المال أو النفس؛ وقد سئل الإمام السالمي: عن الْمَبْغي عليه أيلزمه قتال باغيه عن نفسه وسلبه ولباسه، وكيف خُيّر في الدفع عن ماله وما الفرق بينهما؟

وقد أفاد جوابه التفريق، فالمال مخيَّر فيه؛ وذلك لأنه يفدى به النفس ويتقى به عن الدين والدنيا ويبذل للمنافع؛ فإن اختار تركه إنقاذاً لنفسه أو سلامة لدينه جاز له ذلك، وإن شاء دفع الباغي عنه وقد جاز له، قال: والدفع من شيم الرجال، ولا يُسام الخسف إلّا جبان، ولا يقر على الضيم إلا دنيء، واستشهد بقول الشاعر (4)

:

ومن رأى الضيم عاراً ما تمر به شرارة منه إلا خالها أطما

وذو الدناءة لو مزقت جلدته بشفرة الضيم لم يحسس لها ألما ولا الدنية هان الأمر أو عظما

إنَّ المنية فاعلم عند ذي حسـ

وأما قتاله عن نفسه فلازم عليه؛ لأن الله تعالى أوجب عليه الدفاع عنها حال القدرة، مستشهداً بقوله تعالى: {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَكُمْ، قال: «وهذا منه تعالى توبيخ للتاركين للقتال والدفاع، وقد عقب ذلك بقوله: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَيذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَنِ﴾ [آل عمران: (167] (5).

(1) أبو الحواري محمد بن الحواري، كتاب الدراية وكنز الغناية ومنتهى الغاية وبلوغ الكفاية في تفسير خمسمائة آية،

(2) البسيوي، جامع أبي الحسن البسيوي، 102/ 4.

(3) اطفيش، شرح النيل، 495/ 14.

(4) ر: السالمي جوابات الإمام السالمي، 205/ 5. (5) المرجع السابق نفسه.

ص

293