النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢١٤214
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
المبحث الثالث: ما يحل من البغاة وما لا يحلّ
يرتبط بقتال البغاة بيان ما يحل وما لا يحل في قتال الباغي، وهذه أمور لا بد من إيضاحها على النحو الآتي:
كثر التنبيه عند علمائنا على إباحة الدم حال المواجهة، فلا يحل شيء من المال أو السبي، وهناك نصوص كثيرة جداً لا يخلو كتاب من ذلك؛ يورد العلامة أبو بكر الكندي من سيرة الإمام الخليل بن شاذان قائلاً: (وأن لا تغنموا لأهل القبلة مالاً، ولا تَشبُوا لهم ذرية ولا عيالاً، ولا تركبوا محجوراً، ولا تنتهكوا في مسيركم محظوراً، وليكن قصدكم في إقامة الدين والعمل به لله رب العالمين»)، ويقول أبو حمزة المختار بن عوف: «فإن أظهرنا الله على عدونا وهزمهم لنا لم ننسف داراً، ولا نغنم، مالاً، ولا نسبي عيالاً، ولا نتبع مولياً، ولا نرد التوبة على أهلها» (2)، ويقول العلامة أبو بكر أيضاً: ومن سيرة المسلمين في قومهم أن لا يسبوا ذراريهم، ولا يغنموا أموالهم ولا يحرقوا منازلهم، ولا يقتلوا أحداً منهم غيلة إلا أن يكونوا بحال المحارب الممتنع بحدثه … ولا يسمونهم مشركين ولكنهم بغاة، وإنما يقاتلون على ما نقضوا من دين الله وامتنعوا به، فإذا استكملوه حَرُمَتْ دماؤهم» (3).
ويناقش أبو عبد الله محمد بن محبوب قضية البغاة وما يحل منهم، راداً على من استباح منهم غير الدم حال المواجهة وتحقق البغي؛ فيؤكد أن أهل الدعوة - الإباضية - يحلّون منهم ما أحله القرآن من مجاهدتهم، واستحلال سفك دماء البغاة منهم حتى يفيئوا إلى أمر الله، ولا يستحلون من أهل القبلة سبي ذرياتهم ولا غنم أموالهم، ثم ذكر ابن محبوب أن الله ما حكم في أهل القبلة، ولا سار فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر ولا عمر بن الخطاب، ولا من كان بعدهم من أهل قبلتهم بالذي سار به بعض المستبيحين من غير أهل الحق، وإنما أحل الله القتال حتى يفيئوا إلى أمر الله، فقال الله تعالى: ﴿فَقَتِلُوا الَّتِي تَبْغِى حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ [الحجرات: 9]، فما سمى أهل البغي بالشرك ولا أحلّ منهم سبياً ولا غنيمة»، ولقد قال عمر بن الخطاب لكم الله وقد حضره المسلمون يبكون حوله، وذلك عند حضور أجله فقال: ما يبكيكم؟ فقالوا نخاف من بعدك الفرقة، فقال: إن ربكم واحد، ودينكم واحد، وكتابكم واحد، فمن أعطاكم بما في القرآن فاقبلوا منه، ومن خالف القرآن فاضربوا أنفه بالسيف من غير أن يسمّي المخالفة للقرآن في الأحكام والتأويل بالشرك، ولا يحل منهم سبي ولا غنيمة، ثم استشهد ابن محبوب بما وقع بين المسلمين يوم الدار والجمل وصفين وغيرها، فما
(1) الكندي أبو بكر، المصنف، 102/ 11.
(2) المرجع السابق نفسه. (3) المرجع السابق، 103/ 11.