النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢١٦216
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
وتتطور العناية بهذا الجانب لنرى بعد ذلك أن علماء المذهب وضعوا قاعدة ضابطة لحد ومستوى قتال البغاة حتى لا يتوسع في ذلك، يوردها العلامة أبو بكر الكندي وهي: «قِتَالُ البُغَاةِ قِتَالُ ضَرُورَة)، ومعناها أن قتال البغاة من أهل القبلة غير قتال المشركين إنما هو قتال ضرورة بقدر ما تندفع فتنتهم، ولا ريب أن الضرورة تقدر بقدرها؛ ولذلك نجد قولاً آخر في المشتهر خبره بالسلب والقتل وظلم الناس بغير الحق، فلا يشك في أمره إذا كان على هذا السبيل، ويحل دمه على ما شهر منه من الظلم والبغي غير الحق والفساد في الأرض، وقتل بغير دعوة، ومع ذلك يقول العلامة الشقصي: (وإن أمكن الدعاء والحجّة عليه فهو أحسن وأقطع للعذر» (2).
- حرمة الحرق أو التمثيل، أو قتل غير المقاتلين خلال قتال البغاة:
لدينا في هذا الموضوع مسألتان حرق منازل ومتاع البغاة، وحرق البغاة أنفسهم.
ونبدأ ببيان المسألة الأولى، والأصل عدم جواز التحريق أو إتلاف أي شيء من ممتلكات البغاة؛ فبعد الإعذار إليهم يحل قتالهم ودماؤهم. ولا تحرق منازلهم، ولا تقطع أموالهم قبل المحاربة ولا بعدها في أكثر القول. ولا يحلّ منهم سبي ولا غنيمة» (3).
على أنه إن كان الباغي إن وقع في أحداث وأحرق وقطع وأفسد؛ ذهبت طائفة من العلماء إلى معاقبته بنظير صنيعه؛ أي إن أحرقوا - البغاة - منازل الناس، وقطعوا أموالهم، فجائز أن يعاقبوا بمثل ما عاقبوا» (4).
وقال الشيخ الشقصي أيضاً: وقد حفظنا عن بعض الفقهاء، فيمن يقطع نخل الناس على الخراج: أنه يقطع منه نخله مثل ما قطع، ويحتج بقول الله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ فمن حرق بالنار أحرق بالنار» (5).
وأما المسألة الثانية: وهي حرق البغاة فالعمل عند الإباضية على منع ذلك؛ إذ هو في حكم المثلة وتشديد المذهب في منعها؛ قال القطب اطفيش: «وَزَعَمَ قَوْمُنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَعَلَا شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ، وَفَعَلَهُ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلِيٌّ فِي الْمُرْتَدِّينَ، وَأَنْكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسِ، وَالصَّحِيحُ الْمَنْعُ، وَأَمَّا قَطْعُهُ صلى الله عليه وسلم أَيْدِيَ الْعُرَنِيِّينَ وَأَرْجُلَهُمْ وَتَسْمِيلُ أَعْيُنِهِمْ فَإِنَّمَا ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْمُثْلَةِ، وَأَيْضاً: سُمِلَتْ أَعْيُنُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ رُعَاةِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَرُوِيَ أَنَّهُمْ قَطَعُوا أَيْدِيَ الرَّاعِي وَرِجْلَيْهِ وَأَغْرَسُوا الشَّوْكَ
(1) الكندي أبو بكر، المصنف، 99/ 11، 102، 110. الشقصي، منهج الطالبين، 61/ 7.
(3) ر: الشقصي، منهج الطالبين، 60/ 7.
(4) المرجع السابق نفسه.
(5) المرجع السابق نفسه.