النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢١٩ملامح فقه البغي عند الإباضية بين التنظير والتطبيق
د. أحمد بن يحيى بن
أحمد الكندي
219
وكذلك لا يُجهز على جريحهم الصريع الذي لا قتال فيه. وإنما يجاز على الجريح الذي يخاف منه القتال، يقول العلامة البسيوي: (وإذا قتل سيّدهم لم يقتل موليهم، ولم يجهز على جريحهم. وقال آخرون: هذا من جهة التكرّم. وقال آخرون: هذا فيه الأثر، وقد روي عن عليّ في يوم الجمل قال: «لا يقتل مُوَلٌ، ولا يجاز على جريح، ولا سباء في أهل القبلة، ولا غنيمة في أموالهم»، فمن أتى عليه المسلمون صريعاً مستسلماً، أو جريحاً متشحطاً؛ فلا يقتل حَتَّى يعلم أنه قتل أحداً من أَنَّهُ المسلمين، فإن علم ذلك منه فَإِنَّهُ يقتل، ولا يقتل إلَّا برأي الإمام».
حكم من خرج ولم يحدث
عبد
الله الكن
ــــدي جواباً في
قد يخرج الخارج ولا يقع منه أي حدث، وقد أورد العلامة أبو جماعتين خرجتا إحداهما، جماعة، منهم العلماء والضعفاء والفسقة خرجوا قاصدين إماماً حتى انتهوا إليه، ولم يحدثوا حدثاً أيحكم عليهم بالبغي؟ وجماعة قصدت بلداً وخاف أهلها منهم، مع كونهم معروفين بانتهاك المحارم والسلب، أيحكم عليهم بالبغي، وتجوز محاربتهم أم لا يحكم عليهم بذلك إلا بحدث يستحقون به ذلك؟
الله قائلاً: الذي عرفته أنه لا يحكم عليهم باسم البغي إلا بحدث
وكان جواب أبي عبد يستحقون به اسمه، والله أعلم» (2).
إن هذا الجواب من أبي الله عبد يصلح كقاعدة لتعامل الدول اليوم مع المسيرات والانتفاضات المطالبة بالحرية وتحقيق حقوق الإنسان، ولن يعدم الفقه الإباضي ما يستوعب به تطورات المجتمعات السياسية والاجتماعية المعاصرة، وهو يمثل أنضج تجربة فقه سياسية.
حكم تولي المقتول على البغي
وهذه
في
مسألة مرتبطة بنظرية الولاية والبراءة عند الإباضية من ناحية، وإعطاء رأي أحداث الفتنة في صفين والجمل من ناحية أخرى، والذي يؤكده العلماء أن من قتل على البغي فليس بولي، ومن تاب من بغيه فإن الله يتوب عليه، وَإِنَّمَا قاتله المسلمون بما ظهر من بغيه بحكم الظاهر، وفارقوه وبرئوا منه بحكم الظاهر، وهذا حكم أنزله الله لِنَبِيِّه ولمن أتى من بعده، وعلماً جعله الله له ولمن أتى من بعده» (3).
يقول العلّامة البسيوي: «فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، فأوجب مقاتلة الباغي حَتَّى
(1) ر: البسيوي، جامع أبي الحسن البسيوي، 169/ 4 (2) ر: الكندي، بيان الشرع، 323/ 4 (3) ر: البسيوي، جامع أبي الحسن البسيوي، 80/ 1